رهبان ميانمار يقيمون الصلوات والاحتجاجات في شوارع يانغون (رويترز-أرشيف)

شفيق شقير

تحظى البوذية ورهبانها باحترام شديد في ميانمار، الأمر الذي ميزهم بنفوذ شعبي وسياسي كبير. ومؤخرا في سبتمبر/ أيلول الماضي تقدموا الاحتجاجات التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود ورفعت فيها الشعارات المطالبة بالإصلاح وانحسار دور العسكر الذين استولوا على الحكم منذ العام 1962 وما يزالون يحكمون البلاد من خلال المجلس العسكري.

وحركة الاحتجاج الأخيرة ليست الأولى التي يقودها الرهبان، فهناك اعتراف واسع بدورهم التاريخي في مواجهة الاستعمار البريطاني وتحقيق الاستقلال، وكثيرا ما تقارن حركتهم بالدور الذي قام به المهاتما غاندي في الهند.

واستمر دورهم رغم قيام حكم العسكر الذين اعترفوا بالدور المحوري للديانة البوذية وساهموا في بناء معابدها، ولكن العلاقة بين الطرفين لم تكن دائما هادئة فقد تخللتها اختلافات وأحيانا صدامات. ولا يزال يشار إلى المواجهة التي وقعت بين الجانبين في أغسطس/ آب 1988 حيث كان المتظاهرون يحتجون على التدهور الاقتصادي فقمعهم العسكر بالقوة وتداول الإعلام حينها سقوط ثلاثة آلاف قتيل من المتظاهرين.

ورغم كل المواجهات بين الطرفين فإن العسكر لا يستطيعون تجاهل تأثير الرهبان على حاضر ومستقبل البلاد، فمجرد رفض الرهبان تلقي الصدقات المقدمة منهم ومن عائلاتهم رأى فيها المجلس العسكري نوعا من الطعن في شرعية حكمهم.

الشعب والرهبنة

رهبان ومواجهة (رويترز-أرشيف)
البوذية هي روح الشعب في ميانمار وتعبر عن أوجاعه وطموحاته بسبب التداخل ما بين تعاليمها وأسلوب حياة الشعب، فالرهبنة في هذه البلاد ليست لرجال الدين الذين يداومون على حياة التقشف فقط، فهؤلاء فئة موجودة، ولكن الفئة الثانية تشكل الرهبنة عندها جزءا من حياة الشعب اليومية، وشبيهة على حد وصف مراسل الجزيرة في الصين عزت شحرور بالحج عند المسلمين، فالميانماري البوذي يترهبن قبل الزواج لمدة معينة في حياته، وهذه المدة قد تطول أو تقصر وفق رغبته.

والشباب الذين يلتحقون مؤقتا بهذه المعابد هم غالبا من طلبة ما بعد الثانوية والجامعة، وهم شريحة مثقفة ومتفاعلة ولهم أفكارهم وآراؤهم وينتمون لأحزاب ولهم قدرة تنظيمية، ويحملون معهم إلى حياة المعبد كل هذه الأفكار والطموحات السياسية التي قد تجد في بعض الظروف من خلال سلك الرهبنة منفذا للتعبير عن نفسها.

لهذا هناك من يعتبر المعابد أرضا خصبة لأفكار المعارضة، وبهذا الشأن يقول الصحفي الصيني في تايوان والمتابع للشأن البورمي يونس عبد الحي، إن التيار الرئيسي في الرهبان دائما "هو مؤيد لمطالب الإصلاح، ولكن تدخل الجيش أسكته لمدة، ورأوا فرصة في الظروف الحالية للخروج إلى الشارع مرة أخرى".

الرهبان والخارج
وبرغم أن ميانمار بلد مغلق من قبل الحكم العسكري فإنه لا يمكن نفي تأثير الخارج كما يقول عبد الحي، فهناك إذاعات تبث من أميركا موجهة إلى ميانمار، كما أن هناك تعاطفا أميركيا مع الرهبان والمعارضة.

وينفي عبد الحي من جهة أخرى أي تشجيع من الصين للرهبان لأن الصين ضد خروج الدين من المعابد من حيث المبدأ وضد تأثيره على المجتمع، ولو حصلت حادثة مشابهة في الصين لقمعتها، ولكنها لأسباب دولية تريد من الحكم العسكري الذي تدعمه أن يخفف العنف ضد المتظاهرين.

ظفر الإسلام خان
وبالنسبة للتأثير الهندي لصالح الرهبان ينفيه رئيس تحرير الصحيفة الهندية "ملّي غازيت" الدكتور ظفر الإسلام خان لأن البوذيين في الهند فئة محدودة وليس لهم أي نفوذ، ولكنه لا ينفي وجود تعاطف ولا سيما من المعارضة الهندية مع الرهبان، حيث طالبوا الحكومة بموقف واضح مما يجري في ميانمار.

ويقول خان إن هناك أفضلية لميانمار على الهند في العلاقة، ذلك أن الهند تستورد النفط والغاز الميانماري وهناك مشروع لمد أنبوب للغاز بين البلدين، فهذا يمنع الهند من أي تدخل حقيقي في شؤون ميانمار.

ويجمع المحللون على وجود تنافس هندي صيني على ميانمار، وأن المجلس العسكري يلعب على هذا التنافس وأن لديه حصانة ما رغم الفقر الذي يعاني منه الشعب، لأن بلد الرهبان المتقشفين يزخر بالنفط والغاز والمعادن.

المصدر : الجزيرة