مفتي مصر: الخطاب الطائفي يشتد في المحن والصدام
آخر تحديث: 2007/1/22 الساعة 23:39 (مكة المكرمة) الموافق 1428/1/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2007/1/22 الساعة 23:39 (مكة المكرمة) الموافق 1428/1/4 هـ

مفتي مصر: الخطاب الطائفي يشتد في المحن والصدام

مفتي مصر الدكتور علي جمعة (الجزيرة نت)


حوار-مي الزعبي

خيم الوضع في العراق وما يشهده من اقتتال طائفي متصاعد في الجانبين السني والشيعي، على أعمال مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب الذي انعقد في الفترة 20-22 يناير/كانون الثاني الجاري.

وحول تداعيات الأزمة العراقية، وما يرافقها من تحذيرات من فتنة طائفية في المنطقة، توجهت الجزيرة نت لمفتي مصر الدكتور علي جمعة بمجموعة أسئلة عن خلفيات احتدام الخطاب الطائفي ودور المراجع الدينية في إخماد الفتنة الطائفية المحتملة.


لماذا ارتفع منسوب الخطاب الطائفي في هذا الوقت؟

قضية التعايش بين الخلق جميعا وبين المذاهب والمشارب والأديان المختلفة واردة ومجربة وحاصلة في الاجتماع البشري عبر التاريخ.

أما قضايا الصراع والتصادم الذي يصل إلى حد القتل وإراقة الدماء، فدائما نجد وراء هذه القضايا أغراضا سياسية ومصالح، وتكون مصالح عصبية في بعض الأحيان أو مصالح شخصية.

"
عندما يظهر الهاجس السياسي، وتظهر القضية المصلحية، يؤدي ذلك إلى هذا الدم الذي نرفضه جميعا، ويرفضه كل العقلاء من السنة ومن الشيعة


"
وقد أكدت المذاهب والأديان والمشارب الاختلاف الحاصل بين البشر، فعندما نرى طائفة من البشر يتعايشون عبر مئات السنين مع ما بينهم من اختلاف، بل مع ما بينهم من أمور قد تصل إلى الكراهية ولكن بالرغم من ذلك لم تصل إلى الصدام والدم، فمثلا لا تسمي طائفة أطفالها بأسماء طائفة أخرى، وهذه الحالة تزيد الخلاف والنفرة... ولكن وبالرغم من كل ذلك فهم يتعايشون.

ثم نرى أن الصراع والقتال أتى في وقت ما، إذن هناك سبب جديد بالإضافة إلى الاختلاف أو الكراهية أو غيره، فهي لا تمثل وحدها الأسباب، لأن هذه الأسباب كانت موجودة عبر التاريخ وتعايش الناس معها.

ولكن عندما يظهر الهاجس السياسي، وعندما تظهر القضية المصلحية، سواء كانت هذه المصالح للأجنبي أو لبعض القوى التي تأمل تحصيل مصالح خاصة بها، سواء أكانت تلك المصالح أمنية أو شخصية أو غيره، فإن ذلك كله هو الذي يؤدي إلى هذا الدم الذي نرفضه جميعا، ويرفضه كل العقلاء من السنة ومن الشيعة.

أما من أعماه التعصب وأخذت به الأوهام مأخذا بعيدا عن الواقع، فليعلم أن هذا الصراع دائما لم يستمر عبر التاريخ... بل الذي استمر هو الوفاق بين البشر والتعايش، لم تستمر أبدا حالة الصراع.. لم تستمر أبدا حالة الإرهاب..
نعم.. حدث إرهاب عبر التاربخ، حدث إرهاب مع دولة الموحدين في المغرب مثلا، مع القرامطة ومع غيرها من الحركات، ولكنها لم تستمر.. لأن البشر لا يطيقون أن يظلوا في هذه الحرب المستعرة والدم المراق دائما.

ولكن فضيلة الشيخ، من الملاحظ أن الخطاب أصبح أكثر تركيزا على الخلاف المذهبي.. لماذا؟

دائما يرتفع الخطاب الطائفي في المحن والصدام.


حتى مع رجال الدين؟

لا، نحن لا نستطيع أن نضع رجال الدين هنا (السنة) أو هناك (الشيعة) ونعاملهم كطائفة واحدة، ورجال الدين هنا أو هناك فيهم العقلاء والمعتدلون ونرجو أن يكونوا الأكثر، كما أن فيهم المتعصبين، وفيهم من يجهلون الواقع أصلا، وفيهم من لا يستطيع أن يتصور مآلات أفعاله.. إذن هم ليسوا طائفة واحدة.

ونحن نسمع من قيادات أهل السنة وقيادات أهل الشيعة الشيء الكثير الطيب، حتى ولو كان كلامهم مجرد أمان، فقد لا يكونون قادرين على تحريك السياسة، ونسمع أيضا ما تقولينه من ارتفاع حرارة الخلاف المذهبي، وأمثال هذا المؤتمر الذي نحن فيه الآن يحاول أن يخفض هذه الحرارة ويسكنها ويعيدها إلى حالتها الطبيعية.

إذن لا نستطيع أن نضع الجميع في بوتقة واحدة، بل هناك من يريد الإصلاح، وهناك من يجهل، وهناك من يريد الإفساد، وعلينا دائما محاصرة هذه الحالة حتى ينتهي الاحتقان.


لماذا لا نجد دورا عمليا ملموسا لعلماء السنة في إخماد الفتنة الطائفية؟

"
لا الكتب نافعة.. ولا الفتاوى نافعة.. ولا التصريحات والآراء ولا المؤتمرات نافعة، الأمر يحتاج إلى استجابة من الشارع


"
نحن قمنا بمجهودات كثيرة جدا ولا يصح أن نقول إننا لم نجد لعلماء السنة مجهودات، وعمليا توجد مجهودات قام بها علماء السنة في عمّان، فقد اجتمع أكثر من 170 عالما في عمّان، وحرصنا على تمثيل المذاهب كلها، وأصدرنا بيانا موسعا نشر في كتاب أصدره الأمير غازي، وفي هذا المؤتمر وضعنا –أي علماء السنة وعلماء الشيعة- أسسا للاعتراف بكل المذاهب، والدعوة إلى الوحدة ونبذ عمليات التكفير.

ثم أكدنا هذا البيان في منظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة في أكتوبر/تشرين الأول 2006، ثم أيضا عرضنا هذا البيان على مجمع الفقه الإسلامي الدولي وصدر فيه قرار.

فعلماء السنة يتحركون بطريقة يحاولون أن تكون قاعدة ومؤثرة، ويتصلون بكل الجهات ويحاولون تهدئة الأوضاع، فعلماء السنة لا يسكتون أبدا..
سألت عن الآليات.

المسؤولية في السلطة وجهان لعملة واحدة، علماء السنة لهم مجال.. وهذا المجال هو الوعظ وبيان الأحكام وإرشاد الناس والدعوة.. إلخ، ولا يملكون السلطة السياسية أو العسكرية أو حتى الاقتصادية التي يستطيعون أن يتخذوا بها قرارا مؤثرا في الشارع، فلا يستطيعون مثلا أن ينزلوا مليشيات إلى الشارع للتفريق بين السنة والشيعة، أو لضبط حركة شارع.. إلخ، ولذلك وتحت مفهوم أن السلطة وجهان لعملة واحدة، أوجه لك سؤالا: ما الذي كنا نتمناه من علماء السنة ولم يفعلوه؟

محاولة جعل المراجع الشيعية يصدرون فتاوى بتحريم هدم المساجد والقتل.. إلخ..

أعطوا فتاوى.. صدرت فتاوى عن المجلس الشيعي في لبنان والمرجعيات العليا في العراق بحرمة دم المسلم، المراجع كلهم أفتوا، ولكن أين هذه الفتاوى من القرار السياسي؟ أو أين هي من العمل اليومي في الشارع؟ وأرجو الاطلاع على كتاب اسمه "الآراء التي أصدرها السيد السيستاني في المسألة العراقية".

لكن لا الكتب نافعة.. ولا الفتاوى نافعة.. ولا التصريحات والآراء ولا المؤتمرات نافعة، الأمر يحتاج إلى استجابة من الشارع.


ماهي برأيك الخطوات التي يجب أن تتخذ للحد من الفتنة؟

"
أقترح على السنة والشيعة أن يعتذر بعضهم لبعض عما حدث في التاريخ، ويكون الاعتذار في بيان موحد، لنبدأ صفحة جديدة


"
أنا أقترح اقتراحا محددا، لعله يلقى في القلوب شيئا، فكلما نتكلم مع أهل السنة يشرحون لنا مصائب تاريخية ومواجهات مع الشيعة، وعندما نسأل الشيعة يشرحون لنا نفس الشيء، ويقولون إنهم قد عذبوا على يد السنة عبر التاريخ.

لذلك أقترح على السنة والشيعة أن يعتذر بعضهم لبعض عما حدث في التاريخ، ويكون الاعتذار في بيان موحد، لنبدأ صفحة جديدة لغد، وأظن أن هذا الاعتذار قد يهدئ الحال.

فالشكوى من الطرفين هي وجود تاريخ مليء بالمحن والمصائب والأحداث، ونحن لم نكن سببا في هذا التاريخ، ويجب علينا أن نتجاوزه، وأول خطوة للتجاوز كما تعلّم البشر هي الاعتذار.. بما أن الأمور قد وصلت إلى هذا التشابك الشديد والالتباس الشديد الموجود الآن.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة