الأقباط فهموا عبارة عمارة على أنها استباحة لدمائهم (الجزيرة نت)

محمود جمعة-القاهرة

بعد حوالي أسبوعين من الجدل الساخن تمكنت النخبة المثقفة المصرية من احتواء خلاف ثار بين المسلمين والأقباط في أعقاب نشر كتاب للمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة اعتبره بعض الأقباط "تحريضا على الفتنة الطائفية واستباحة لدمائهم".

وتشير الأحداث إلى أن دعوات التهدئة جاءت هذه المرة ومبكرا من المثقفين المسيحيين، الذين أبدوا تقبلهم لاعتذار الدكتور عمارة عن فقرة وردت في كتابه "تساوي الأقباط بالوثنيين والزنادقة"، معتبرين أن اعتذاره كاف ويقدم دليلا على احترامه الدين المسيحي ومشاعر الأقباط.

الكتاب الذي أثار هذه الضجة حمل عنوان "فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية" وصدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، حيث تضمن فقرة مقتبسة من كتاب الشيخ أبو حامد الغزالي تقول "اليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول، وهذا الكفر حكم شرعي كالرق.. إذ معناه إباحة الدم".

المستشار نجيب جبرائيل محامي البابا شنودة الثالث سارع إلى تقديم بلاغ للنائب العام يتهم فيه المفكر الإسلامي بـ"ازدراء المسيحيين والمسيحية، والتحريض على الفتنة الطائفية واستباحة دمائهم".

اعتذار كافي
غير أن عمارة بادر فور إثارة الموضوع إلى إصدار بيان اعتذار واضح وصريح عن الفقرة التي وردت بالكتاب، مرجعا ذلك إلى السهو والنسيان، وأوضح ان "الكتاب لا علاقة له من قريب أو بعيد بغير المسلمين، ولم يتعرض لمسألة العلاقة بين الأقباط والمسيحيين، وأنه خصص لنقد آفة التكفير بين المذاهب الإسلامية".

من جانبه، رحب الكاتب القبطي رفيق حبيب خلال حديث للجزيرة نت باعتذار المفكر الإسلامي محمد عمارة، ووصفه بأنه جيد للغاية ويعكس حرصه على احترام مشاعر الآخرين وعقائدهم، مطالبا بتكاتف المجتمع المصري وعدم الانجرار وراء محاولات تصعيد مثل هذه المواقف التي تضر بالوحدة الوطنية للبلاد.

وأشار حبيب الى وجود حالة من الاحتقان الطائفي غير مسبوقة فى الشارع المصري بسبب إحساس المسلمين والأقباط بأن عقيدتهم مستهدفة ومهددة، مرجعا ذلك إلى حالة الجمود السياسي التى ألقت بظلالها السلبية على مبدأ الحوار الصريح بين كافة القوى الوطنية التي تسمح بحل المشكلات الحساسة، خاصة تلك المتعلقة بقضايا الأقباط في مصر.

وأثني الكاتب القبطي على عزم الدكتور عمارة إعادة طرح كتابه في الأسواق بعد حذف العبارة التي أثارت غضب الأقباط منه، مطالبا الجميع بإغلاق هذا الملف وعدم العبث بمقدرات الوطن.

"
ينبغي تمسك المجتمع بمبدأ "المواطنة" الذي يقوم على التعامل مع المواطنيين في الحقوق والواجبات على أساس أنهم مصريون بصرف النظر عن عقيدتهم
"
جورج إسحاق

أساس وطني
وبدوره، قال جورج إسحاق الناشط القبطي والمنسق العام لحركة "كفاية"، للجزيرة نت، إن معرفته السابقة بالدكتور عمارة على مدى عشرين عاما تجعله مقتنعا تماما بما قاله المفكر الإسلامي بأن الفقرة وردت في كتابه عن طريق الخطأ والسهو، مؤكدا روح التسامح والاحترام التي يتعامل بها الدكتور عمارة مع الأقباط وقضاياهم والتي تظهر واضحة في كتاباته.

وانتقد إسحاق "الدور السلبي" الذي تمارسه قنوات فضائية في إثارة المشاكل والخلافات الطائفية والسماح بظهور بعض الأفراد غير المسؤولين والتحدث بلغة تزيد الأمور اشتعالا، مشددا على تمسك المجتمع بمبدأ "المواطنة" الذي يقوم على التعامل مع المواطنيين في الحقوق والواجبات على أساس أنهم مصريون بصرف النظر عن عقيدتهم.

كما رحب المفكر المصري عبد الوهاب المسيري باعتذار الدكتور عمارة، قائلا إن كتاباته تتسم بقدر كبير جدا من التسامح والتوازن، مشيرا إلى أن مصر والمنطقة العربية تقدم نموذجا عالميا فريدا في احتضان العديد من الأقليات الدينية والعرقية التي تتمتع في أوطانها بحقوقها كاملة.

وحول مطالبات البعض للدولة بتشديد الرقابة خاصة على إصدار الكتب الدينية بدعوى منع الإضرار بالوحدة الوطنية، قال المسيري للجزيرة نت إن "الوسطية مطلوبة، فإطلاق الأراء دون أي رقابة قد يقود للإضرار بالمجتمع أو الإساءة للأديان، كما أن تشديدها دون ضوابط موضوعية يمثل حكرا على حرية التعبير، فنحن بحاجة إلى جهات رقابية تتمتع بمسؤولية وضمير الرسالة السامية التي تقوم عليها".

المصدر : الجزيرة