الشاعر أمجد ناصر (الجزيرة نت)
حاوره سيدي محمد
خرج الشاعر الأردني أمجد ناصر من عمان قاصدا بيروت عام 1977 وكان يظن أن ذلك الخروج الذي اضطرته إليه أسباب سياسية لن يطول، ولم يكن يدري أن تلك الخطوة ستقوده إلى أماكن ومصائر لم يفكر فيها من قبل. أقام في بيروت ملتحقا بالعمل المقاوم الفلسطيني وعمل محررا ثقافيا في مجلة الهدف وأصدر أول عملين شعريين له هناك ثم اضطر لمغادرة بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي صيف عام 1982. وحينها كان أمجد ناصر مسؤولا عن البرامج الثقافية في إذاعة الثورة الفلسطينية.
 
ومن بيروت إلى قبرص التي أقام فيها نحو ست سنين وعمل خلالها في الإعلام العربي الذي أسس ظاهرة ملحوظة بجزيرة قبرص في تلك الفترة، وأصدر هناك عمله الشعري الثالث "رعاة العزلة" الذي شكل نقطة تحول في مسيرته الشعرية وعلامة بارزة في شعر جيل السبعينيات العربي.
 
ولكن الترحال الذي طبع حياة أمجد ناصر بطابعه قاده بعد ذلك إلى لندن التي يستقر لا يزال مقيما بها، مشاركا في تأسيس صحيفة القدس العربي مع صديقه عبد الباري عطوان ومشرفا على قسمها الثقافي حتى اليوم إضافة إلى كونه مديرا للتحرير.
 
توالت أعمال أمجد ناصر الشعرية والنثرية خصوصا في كتابة المكان أو ما يسمى بكتابة الرحلة التي أصدر في إطارها كتابين هما "خبط الأجنحة" و"تحت أكثر من سماء"، كما ترجمت أعمال له إلى الفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية وشارك في عدد من المهرجانات الشعرية العربية والدولية. ومؤخرا نال أمجد ناصر جائزة محمد الماغوط للشعر التي منحه إياها المنتدى الثقافي اللبناني في باريس.
 
وبمناسبة نيله الجائزة كان للجزيرة نت هذا الحوار الشامل معه:
 
 
ماذا تعني لك جائزة الماغوط الآن وخصوصا أنك لم تكن ماغوطيا في بداياتك؟
 
لا أظن أن الذين منحوني الجائزة كانوا يفكرون في أصل مباشر لقصيدتي ولا في تحري سلف، وإنما في تكريم شاعر عربي كبير هو الماغوط الراحل عن عالمنا في العام نفسه الذي منحت فيه الجائزة، هذا عدا أن حملي لجائزة تحمل اسم الماغوط، وكنت أتمنى لو تم ذلك في حياته أمر يشرفني ويسعدني لكون الماغوط أحد أبرز الشعراء الذين فتحوا لي ولغيري بابا على قصيدة لم تكن موجودة قبله، وعلى موضوعات قلما كانت محل اعتبار القصيدة السائدة يومذاك. لا أحمل أمر الجائزة أكثر من ذلك ولا أعتبرها إلا لفتة مفرحة في عام كانت مكتظا بالآلام.  

"
من يملك وسيلة الإعلام اليوم يملك الحقيقة! وما لم يحصل تغير في هذه العلاقة بين المال والقوة فلن نرى تغيرا فعليا ولن نرى مثقفين يتحدون ويفعلون ويؤثرون

"

 
ولكن بالمقابل يمكنني أن أستفيض في الحديث عن الماغوط الذي رأيته أول وآخر مرة أثناء تسلمه جائزة سلطان العويس في دبي قبل شهر واحد تقريبا من وفاته، وهذا شيء عجيب فهو قد يكون الشاعر العربي الوحيد من الجيل السابق الذي لم تربطني به صلة شخصية من أي نوع. أستغرب ذلك وأعتبره كما لو أنه إشارة أو قدرا، فعندما التقيته كان لا يقوى على الكلام وغير واع تقريبا لما يدور حوله.
 
على كل حال فالماغوط  بصرف النظر عن بعض أقوله غير الموفقة حول الشعر أو الصارخة في السياسة، كان أشعر كثيرا مما كان يعلم.. شاعر استطاع أن يخض القصيدة العربية وأن يغير صوتها الجمالي والإنساني من دون معرفة ربما بما كان يفعل. الماغوط الذي انحصرت إضافته الفعلية -في رأيي- بعمليه الشعريين الأولين جعل للفقر والصعلكة والسجن والتبغ مسحة شعرية ستظل تنسب إليه لزمن طويل، وهذا ليس شيئا قليلا لطموح أي شاعر بالبقاء.
 
 
لنتجاوز موضوع الجائزة ودعنا نتساءل أين أنت شعريا بعد (الحياة كسرد متقطع)؟
 
 لا أزال في ضواحي ذلك العمل الشعري، فهو لم يكن نزوة أو مجرد تنويع على أعمال وأشكال سابقة، بل رؤية للشعر والحياة وأجواء لم أستنفدها بعد، وقد لا أستنفدها قريبا. أنا لا أحسن عادة التعبير عن شعري قد أستطيع التعبير والتحدث عن شعر غيري أكثر ألف مرة من الحديث عن شعري.


 
 
هذا تواضع منك، أليس كذلك؟
 
لا، ليس تواضعا بل انعدام يقين، إنه أسوأ من التواضع كما ترى، التواضع يعني أنك تعرف قدرك أو أماكن جودتك وتخجل من الحديث عنها، أنا لا أعرف ذلك، بل لا أعرف أصلا إن كنت على الطريق الصحيح المؤدي إلى الشعر.
 
 
أشرت في أكثر من حديث لك إلى أنك كنت تحاول الوصول إلى الشعر عن طريق النثر، فهل هذا ما تقصده، أو ما تظن أنك تفعله الآن؟
 
 
نعم قلت ذلك انطلاقا من أسئلة عباس بيضون على ما أظن، لأنه حاصرني  بالحديث عن النثر في حينها، ولا أتنصل تماما مما قلت، أقصد طبعا كيف يمكن الوصول إلى الشعر من خلال استخدام أدوات وعالم ومجازات النثر. هذا مشروع اقتراح إذا شئت قد لا أكون وفقت فيه وقد لا أكون قطعت فيه شوطا أو صفيت ما شابه من طرائق عمل شعري سابقة، ولكني أواصل العمل في ما أظن أنه كذلك. لدي الآن ما يشكل كتابا شعريا جديدا ولكني لست متعجلا في نشره، أود أن أنضجه أكثر، أن أعكف عليه أكثر حتى أطمئن إلى أنني وصلت إلى ما أريد.
 
 
هل هناك فرق أو اختلاف في الموضوعات ما دمت تواصل الشكل نفسه؟
 
 
لا، ليست هناك فروق كبيرة ولكن الموضوعات تقاربت أكثر، التناول تصفى أكثر، التساؤلات عن الحياة وأسرارها عن الصدفة والقدر والمصائر صارت أكثر إلحاحا مما هي عليه في السابق. هناك طبعا في "حياة كسرد متقطع" مثل هذه التساؤلات مثل هذه الإلحاحات ولكن تخللتها أو اخترقتها موضوعات يومية أو حياتية أخرى هذه المرة، أقصد في الكتاب القادم ستكون الوحدة أكثر وضوحا.
 
 
تتحدث عن الوحدة، تقصد الوحدة بالمعنى الوجودي أو وحدة الموضوع؟
 
أقصد طبعا وحدة الجو الذي يطبع العمل، رغم أن الوحدة ليست شيئا ظاهريا يمكن لمسه من الخارج، فهناك دائما وحدة من نوع ما عند أي شاعر حتى لو بدا أن هناك تشتتا يطبع كتابته، حتى ليخيل إلي أن الشعر لا يفعل شيئا سوى البحث عن هذه المصبات بصرف النظر عن شعرائه ولغاتهم وموضوعاتهم. هذه هي سحرية الشعر إذا شئت، إنها سحرية كلمات ومسعى ومآلات، وهو بهذا يشبه النفس البشرية التي تنتجه.
 
 
هل هذا ما وصلت إليه في فهم معنى الشعر بعد ربع قرن أو أكثر على بداياتك؟
 
قد يكون فعلا هو هذا، أو شيئا قريبا منه، لقد تغيرت رؤيتي للشعر ووظيفته عما كانت عليه في بداياتي. كنت أتطلب أشياء كثيرة من الشعر آنذاك ولعلني لم أتخلص تماما من الوظائف التي كانت تلح عليها اللحظة السائدة رغم أن أعمالي الأولى لا تعكس انخراطا تاما في النسق. الآن أفكر بالشعر بطريقة فردية أكثر، بطريقة وجودية أكثر، من دون أن أحمله عبء الإجابات النهائية أو الكبرى. الشعر مثله مثل أي نشاط روحي وذهني هو سؤال أيضا. وقد لا يكون الشعر أصلا سوى السؤال الذي نطرحه على أنفسنا في أزماتنا الروحية والوجودية، ولكن من دون أن نحظى بإجابة شافية، وليس من شأن الشعر أن يمنحنا ذلك لأنه ليس خلاصا ولا حلا من أي نوع.
 
 
تبدو من هذا الكلام وكأنك أقرب إلى الغيبي أو الديني، وهناك في شعرك شيء من الأسطوري، نتذكر هنا، قصائد الغرباء والدساكر وروائح الصحراء واستخدامك لمفردات كثيرة محملة بهذا المناخ، فهل هناك تبدلات فكرية وقعت لديك؟
"
الوحدة لا تعني وحدة موضوعات وخطا كتابيا صارما متسلسلا بعينه بقدر ما تعني وحدة رؤيا ونفس وأعماق. وهذه أمور غامضة وعريضة يتكفل بها الشعر بحثا عن مصباته

"
 
 أولا أنا لا أعرف فكريا كيف أصنف نفسي، كنت أعرف ذلك قبل ثلاثين أو عشرين سنة، لكن الآن لا أعرف. لو سألتني من قبل كيف تصنف نفسك فكريا سأقول لك من دون تردد إنني ماركسي. هذا الجواب السريع الذي يسابق اللسان لم يعد موجودا.
 
 سأذكر حادثة لم أتحدث عنها من قبل وقعت بيني وبين صديقي الشاعر الفلسطيني زكريا محمد في بيروت وكنا آنذاك في عز تشددنا الماركسي، فقد قال لي بعد نقاش فكري عاصف دار بيننا وكان هو أكثرنا تضلعا ومعرفة بالماركسية: رغم قشرتك الماركسية فإن الشخص المتدين أو المؤمن لا يزال في داخلك. طبعا اعتبرت كلام زكريا إهانة فكرية لي، ولكن أكثر من مرة لاحقا فكرت في كلامه، ولعلني لا أزال أفكر في ذلك التعليق الذي صدر من زكريا حتى الآن.
 
الشيء المؤكد بالنسبة لي أن هناك أسئلة كثيرة مصيرية لا تجيب عنها الأفكار ولا الفلسفات التي عرفها الإنسان على مدار مسيرته الفكرية والتأملية، ومن يعتقد أن إنسان اليوم المتورط في حياة يومية متناهية في التفاصيل يحيا بقوة ما قدمه التطور التكنولوجي والعلمي يخطئ الظن. فالناس لا تزال تحيا من دون أن تدري أحيانا بقوة الأسطوري والغيبي وبالتأكيد بقوة الديني الذي فيها. هذا أمر أصبح واضحا أشد الوضوح بالنسبة لي. والشعر أساسا هو نشاط أكثر غموضا وعمقا مما يعتقد حتى الشعراء.


 
 
وماذا عن الأمكنة التي نجدها بشكل شبقي في شعرك؟
 
الأمكنة أكثر من مجرد وعاء جغرافي أو بيئي يتحرك داخله الإنسان أو يسعى في سفره وترحاله إليه، إنها أكثر التصاقا بنا مما نظن، وأكثر عضوية إذا شئت من أعضائنا، إنها مثل كائنات حية يطرأ عليها التقادم والتآكل والحت والتغير والهرم مثلنا بالضبط، هناك أمكنة تشبه أمي لا لأنها تذكرني بأمي بل لأنها تشبهها حقا، أي لها قسماتها وقسوتها أحيانا وحنانها أحيانا أخرى وتعبها ولحظات الإشراق القليلة في حياتها.
 
ماذا يعني لنا البيت الذي نعيش بين جدرانه وتحت سقفه وتتداخل روائحنا في حجره أو إسمنته أو طينه؟ ماذا تعني الأحياء، لماذا أصلا تسمى أحياء؟ أليست هذه التسمية العربية الجملية هي اعتراف بأن المكان المنفرد أو الجامع هو مكان حي، يعيش ويتنفس وينمو ويكبر ويدركه الهرم ويموت أخيرا؟ تأمل هذه التسمية العربية الحي أو الأحياء فستجد أنها تسمية في مكانها بقدر ما هي تسمية مجازية في الوقت نفسه. ليست التسمية كما تعرف شيئا اعتباطيا، إنها تنطوي على دلالة والدالة هنا واضحة.
 
 
يقودني كلامك إلى مقطع من قصيدة لك في "حياة كسرد متقطع" يقول بلسان أمك: يا يحيى لن تعرف نفسك الراحة. هل تحققت نبوءة أمك أم ماذا؟
 
أنت قد لا تعرف فعلا أن تلك كلمات قالتها لي أمي أكثر من مرة في مشاداتنا التي لم تتوقف عندما كنت أعيش مع أهلي، ولكنها للأسف كلمات حقيقية. وحقيقي أكثر هو اختراقها لمصيري بالكامل. أنت تعرف أن للأمهات معرفة مستبطنة عميقة بأمور غامضة تخص أولادهن. أمي التي لم تكن تقرأ ولا تكتب كانت تعرف وأنا لا أزال ألعب في الحارة أن لي نفسا شقية. كيف عرفت ذلك لا أدري. طبعا أنا لا أحيل الأمر إلى الخوارق ولا إلى السحر ولا أي شيء خارج المألوف، ولكنها كانت تعرف أن هذا الابن الصعب الذي طالما أزعجها وتمنت أن يكون مثل أبناء عمومته أو جيرانه لن تقوده نفسه الصعبة إلى شيء سهل.
 
نبوءة أمي تحققت وهي نبوءة أراها الآن تنطبق على معظم البشر. فأين هم الناس الذين يعيشون سلاما تاما مع أنفسهم ومحيطهم؟ إنهم تقريبا غير موجودين، الموجود هم هؤلاء البشر الأشقياء المتورطين بعيش صعب وحياة زرية وشقاء حتى في بيوتهم. بهذا المعنى لم تعد نبوءة أمي تخصني.
 
 
أخيرا أسألك عن رأيك في موقف الشعراء والمثقفين العرب مما يجري حولهم في فلسطين والعراق، أين هم من ذلك أم أنهم يترفعون أن يخوض الشعر في شؤون السياسة وما شابهها؟
"
هناك شراء ذمم للمثقفين حصل ولا يزال يحصل على امتداد الرقعة الجغرافية العربية

"
 
هناك شكوى دائمة من موقف المثقفين العرب حيال الأحداث التي تخص بلادهم، ولكن هذه الشكوى لا تفحص ما يكتب وما يقال على ألسنة المثقفين وبأقلامهم، أو أنها تتطلب عملا رسوليا إنقاذيا من المثقفين باعتبار أنهم يملكون أدوات سحرية للحل والربط. والواقع أن ليس كل المثقفين سواء, هذا عدا أنهم لا يملكون حتى لو كانوا سواء في مواقفهم حلولا سحرية لكوارث ارتكبها السياسيون العرب سواء الذين هم في الحكم أم الذين يعارضون الأنظمة.
 
ثم إن هناك شراء ذمم للمثقفين حصل ولا يزال يحصل على امتداد الرقعة الجغرافية العربية. هناك شراء ذمم بالمال، وهناك تخويف وشراء صمت مقابل الاستمرار في العمل والحياة اليومية. لقد اجتمعت اليوم علينا قوتان قاهرتان: المال والقهر. فمن لا يشترى بالمال يمكن قهره وقمع صوته. لم تعرف الحياة العربية قوة للمال الذي تتحكم به جهة واحدة أو جهتان مثلما نعرفها اليوم.
 
انظر إلى وسائل الإعلام العربية الفاعلة، إنها مملوكة من قبل قوة مالية وسياسية واحدة تقريبا، والاستثناء نادر. كيف يمكن للمثقف وهو الشاعر والصحافي والإعلامي والباحث والسينمائي أن يتحرك في إطار احتكار شبه كامل للإعلام والمنابر من قبل طرف واحد أو طرفين؟ الحقيقة اليوم تعكسها وسائل الإعلام ولا حقيقة بالنسبة للناس العاديين خارج الشاشة الفضائية أو الصحيفة.
 
من يملك وسائل الإعلام يملك الحقيقة وقد حصل أن مالكي وسائل الإعلام العربية اليوم أو القسم الأعظم والفاعل منها، هم حلفاء لأكبر قوة في العالم ترسم وتخط بالنار والدم حدود الحقيقة. وما لم يحصل تغير في هذه العلاقة أو في هذا الخارطة من علاقة المال بالقوة لن نرى تغيرا فعليا ولن نرى مثقفين يتحدون ويفعلون ويؤثرون، وللأسف فأنا لست متفائلا على هذا الصعيد.

المصدر : الجزيرة