واشنطن شجعت حكومات عربية على انتهاك حقوق الإنسان
آخر تحديث: 2006/9/27 الساعة 02:47 (مكة المكرمة) الموافق 1427/9/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/9/27 الساعة 02:47 (مكة المكرمة) الموافق 1427/9/5 هـ

واشنطن شجعت حكومات عربية على انتهاك حقوق الإنسان

فادي قاضي (يسار) خلال المقابلة مع الجزيرة نت

 
قال الناطق باسم منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأميركية (هيومن رايتس ووتش) بالشرق الأوسط إن الولايات المتحدة شجعت الدول العربية على عدم احترام حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية تتحمل وبشكل مباشر لا لبس فيه مسؤولية انهيار النموذج الأخلاقي لاحترام حقوق الإنسان.
 
وأضاف فادي قاضي في مقابلة مع الجزيرة نت أن واشنطن لم تعجز فقط عن احترام حقوق الإنسان وحريات المواطنين والآخرين في أبو غريب وغوانتانامو، بل إنها شجعت بشكل مباشر وغير مباشر حكومات عديدة بالمنطقة العربية ودولا أخرى على أن تحذو حذوها في تكريس عدم الاحترام لحقوق الإنسان.
 
وأعطى الناطق باسم المنظمة صورة سوداوية عن وضع حقوق الإنسان بالمنطقة العربية، نافيا وجود تقدم في حالة حقوق الإنسان بهذه الدول. وتاليا النص الكامل للمقابلة:
 

لو بدأنا من حيث انتهت الحرب الإسرائيلية على لبنان وأيضا ما يحدث في غزة من حرب يومية، تحدثتم كما الكثير من منظمات حقوق الإنسان عن انتهاكات لحقوق الإنسان، هلا تحدثت لنا عن هذه الانتهاكات خاصة أنكم تتهمون بأنكم تغضون الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية مقابل تسليط الضوء على الانتهاكات بالدول العربية؟
 
منذ اندلاع الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله قمنا برصد وتوثيق أكثر من انتهاك للقانون الدولي الإنساني، على اعتبار أن هناك حالة حرب، رصدنا في هيومن رايتس ووتش مجموعة من الانتهاكات، على رأسها استهداف المدنيين من قبل القوات الإسرائيلية برا وبحرا وجوا، وكان واضحا أن الحصيلة الكبيرة لسقوط المدنيين في لبنان جراء الغارات الإسرائيلية لا يبررها إلا ما ذهب إليه المدير التنفيذي للمنظمة كينيث روث في تلك الأحداث باعتبار ذلك لا مبالاة من قبل الجيش الإسرائيلي وقد يصل إلى تعمد لاستهداف المدنيين على الأراضي اللبنانية.
 
وفي ذلك السياق أيضا برزت مشاكل خطيرة، تتعلق بطريقة شن إسرائيل الحرب على لبنان، وذلك من خلال استخدام قنابل عنقودية، وقمنا بتوثيقه بشكل واضح وصريح، وينبغي أن أذكر أن القنابل العنقودية هي وسيلة ليست قادرة على التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، ولذلك يتم تحريم استخدام هذه القنابل، إضافة إلى الجدل الدائر دوليا حول استخدام هذه القنابل، إلا أنه من الواضح أن إسقاط العنقودية لا يميز بين العسكريين والمدنيين، مما ترك آثارا قد تلحق الأذى بحياة آلاف من المدنيين الذين عادوا لقراهم في الجنوب اللبناني.
 
أيضا تحدثنا مرارا وطالبنا الولايات المتحدة والدول الأوروبية بوقف توريد الأسلحة، ومنع استخدام مرافئها ومطاراتها لنقل الأسلحة لإسرائيل بما يخالف القانون الدولي الإنساني. بطبيعة الحال الاستجابة الأميركية كانت معدومة، إلا أن هناك دولا أوروبية استجابت، فإيرلندا منعت استخدام مطاراتها لنقل الأسلحة لإسرائيل، وهذا أمر أشدنا به.
 
أيضا هناك تعمد أو شبهة تعمد لقصف إسرائيل للبنية التحتية اللازمة لحياة المدنيين، وليس هناك مبرر لوصفها بالأهداف العسكرية، وأبرز مثال على ذلك مطار بيروت، ولم يثبت إطلاقا أنه جرى تهريب أي سلاح عن طريق المطار.
 
في موضوع غزة هيومن رايتس ووتش هي المنظمة الوحيدة التي حققت بالقصف الإسرائيلي لشاطئ غزة، وثبت أن إسرائيل هي المسؤولة عن مجزرة الشاطئ، حتى الآن وبعد لقاءات مضنية وطويلة مع الجيش الإسرائيلي لا تزال إسرائيل تنكر أنها هي من قصف الشاطئ ويتهمون المقاومة الفلسطينية بأنها زرعت ألغاما على الشاطئ لتعطيل أي إنزال إسرائيلي عليه.
 
أما في جانب حزب الله فنحن واضحون بأن استخدام الحزب صواريخ غير قادرة على التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية أدى لاستهداف المدنيين بطريقة أو أخرى وهذا أدناه، وهذا ليس من باب الموازنة في موقفنا، ولكننا ننظر في الانتهاك ونطبق عليه معيار القانون الدولي الإنساني.
 
هناك دول عربية تتهمكم بأنكم لا ترصدون الانتهاكات الإسرائيلية بينما تركزون على دول بعينها، ما هو ردكم ولماذا تطاردكم هذه الاتهامات دوما؟
 
نحن نتحدث عن حكومات، والحكومات قادرة في أي لحظة على اختلاق أي ذريعة لدرء أي ذريعة لما يسمونه شبهة انتهاك حقوق الإنسان واختراق قواعد حقوق الإنسان سواء بالقوانين المحلية أو وفق المعايير الدولية، في كل دولة عربية نرصد انتهاكات حقوق الإنسان من الاعتقال التعسفي أو التعذيب وتقييد حرية التعبير أو الإساءة للمعارضة السلمية، تخرج علينا الحكومات بـ "فزاعتين" الأولى أننا منظمة أميركية وبالتالي يعتقدون أن هذا يعطيهم مادة يغذون بها هذا الرأي العام بأن كل ما يأتي من أميركا هو سيئ.
 
"والفزاعة" الثانية هو ما حصل معنا بعد إصدار تقريرنا حول انتهاكات دائرة المخابرات الأردنية من قبل الصحافة الأردنية، وهو القول إننا نكيل بمكيالين وإننا نرصد انتهاكات حقوق الإنسان بالدول العربية، بينما تغض هذه المنظمات الطرف عن انتهاكات الولايات المتحدة وإسرائيل.
 
هذا اتهام يلاحقكم من خلال تركيزكم المتواصل على الدول العربية بينما يرى البعض أن تقاريركم عن أميركا وإسرائيل قد تبدو محدودة.
 
يا سيدي هاتان "الفزاعتان" سخيفتان وتنمان عن جهل وتجهيل، وضلال وتضليل، أيضا يمكن القول إن هيومن رايتس ووتش تتابع منذ اللحظة الأولى انتهاكات الإدارة الأميركية بأي مكان في العالم، ابتداء من غوانتانامو ومرورا بأبو غريب وباغرام والرحلات السرية لـCIA، بل من كشف هذه الحقائق للرأي العام العالمي، هل العفاريت هي التي كشفتها، لا إنها منظمات حقوق الإنسان الدولية وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش.
 
وهناك حالات أخرى منها حالة السوري يوسف عرار، والمصري أحمد عجيزة، وفضح دور قوات الأمن السويدية في تهريب عجيزة عبر طائرة CIA، وأنا لا أظهر دفاعا عن هيومن رايتس ووتش، ولكنني أتساءل من فعل كل ذلك؟ الذي فعل ذلك منظمات لم يقرأها الأساتذة الجهابذ الذين يكتبون عن الكيل بمكيالين، والذين يحاولون تغذية الرأي العام بما هو غير صحيح وما هو غث وليس سمينا.
 
من طالب بتحميل المسؤولية عما حدث في أبو غريب لرمسفيلد وجورج تينيت، ليست وزارة الدفاع الأميركية وإنما هي من رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، ومن هنا أنا أدعو من يتمسك بوطنية الدفاع عن حقوق الإنسان بألا يكيل بمكيالين، وأدعوه أن يتحرى الدقة، ولا يوجه هذه الدعوات لنا.
 
الدول العربية والشرق الأوسط شهدت بعد عام 2001 حالة من التراجع في حالة حقوق الإنسان، هل تعطينا فكرة عن تلك الحالة بهذه الدول ومدى التقدم أو التراجع فيها؟
 
أنا لا أستطيع أن أعطي تصنيفا، ولكن التقرير الدولي السنوي لهذا العام قال بكل وضوح إن الإدارة الأميركية تتحمل وبشكل مباشر لا لبس فيه مسؤولية انهيار النموذج الأخلاقي لاحترام حقوق الإنسان، بمعنى أنها لم تعجز فقط عن احترام حقوق الإنسان وحريات المواطنين والآخرين، في الأمثلة التي سجلناها في أبو غريب وغوانتانامو، بل إنها وبشكل مباشر وغير مباشر شجعت حكومات عديدة بالمنطقة العربية ودولا أخرى على أن تحذو حذوها في تكريس عدم الاحترام لحقوق الإنسان.
 
ودعني أسجل بعض النماذج بالمنطقة على امتداد شمال أفريقيا والشرق الأوسط، مثلا مصر التي لم تنته عندها مشكلة احترام الرأي والتعبير، بل إن هذه المشكلة ازدادت تفاقما، ولم تنته في مصر مشكلة التعذيب والاعتقال العشوائي والتعسفي، لا زلنا نسمع ونكتب ونوثق اعتقالات بالجملة والمئات للمعارضين من الإخوان المسلمين وغيرهم، ونشهد أيضا ما بعد وقبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، المضايقات التي تصل حد الضرب والاعتداء على المتظاهرين السلميين، دون أي اعتبار لأي معيار قانوني، هناك "تغول" من قبل مباحث أمن الدولة، وهي جهاز يشبه جهاز المخابرات، هناك "تغول" على كل مناحي الحياة الاجتماعية في مصر، هناك "تغول" ضد المنظمات غير الحكومية وتقنين القوانين والتدخل في نادي القضاة وحرية القضاة في اختيار ما يرونه مناسبا لحماية القانون والقضاء العادل.
 
في إبريل/نيسان هذا العام ولأول مرة انعقد مجلس إدارة هيومن رايتس ووتش بالقاهرة، وهذا يظهر تكريس الاحترام للمركز الإقليمي الذي تحظى به القاهرة، المجلس التقى رئيس الوزراء المصري، كما التقينا جميع الممثلين عن حقوق الإنسان بالوزارات المصرية.
 
يعني أنت تتحدث هنا عن مفارقة، الحكومات تنتقدكم وتشكك بتقاريركم وتلقي عليكم اتهامات مختلفة، وفي نفس الوقت يستقبلكم أرفع المسؤولين ويسهل دخولكم للدول العربية.
 
هناك رصيد احترام وتقدير اكتسبته هيومن رايتس ووتش بجهدها واستقلاليتها، المفارقة أنك تلتقي رئيس الوزراء المصري لكن يثار لغط يومي بالصحافة المصرية عن شبهة لقاء نادي قضاة مصر مع هيومن رايتس ووتش الصهيونية، هذه مسخرة، إن قضاة مصر لا يستطيعون الاجتماع بهيومن رايتس ووتش الصهيونية، لكن رئيس الوزراء ومستشار الرئيس المصري ووزراء الداخلية والخارجية والعدل يجتمعون معنا، وهنا لا يقال إننا صهاينة.
 
ولكن أمام هذه الصورة السوداوية، ألا ترى أن هناك تقدما في الحالة الديمقراطية وحقوق الإنسان ببعض الدول العربية، شهدنا انتخابات شهدت بنزاهتها منظمات عدة. ما رأيكم؟
 
لا، ليس بالضرورة أن هناك تقدما، لأن الديمقراطية بحد ذاتها لا تعني احترام حقوق الإنسان، نحن نرى دولا ديمقراطية عريقة لها سجل يتجاوز مئات السنين في إنشاء المؤسسات الديمقراطية، وهنا أتحدث عن الولايات المتحدة التي ليس بيننا وبينها أي مشكلة أيديولوجية، هي دولة عظمى أحيانا ينظر لها كنموذج ومثال، وأحيانا يتم فرض هذا النموذج بما يخدم مصالح الإدارة.
 
وكأنك تقول إن الدول المتحالفة مع الإدارة الأميركية يتم غض الطرف عنها من قبل الولايات المتحدة.
 
هذا صحيح، أين انتقاد التعذيب من قبل الإدارة الأميركية في مصر، تقرير الخارجية الأميركية تحدث عن حالات تعذيب منظم بالسجون المصرية، وهذا يندرج في إطار الفشل الذريع للإدارة الأميركية في احترام أبسط قواعد حقوق الإنسان حتى وفق القوانين الأميركية، وهو ما أعطى ذريعة مهمة لمنتهكي حقوق الإنسان أن تحذو حذو الولايات المتحدة.
 
العراق يشهد الآن حالة أقل ما توصف بالمأساوية من قتل طائفي وانعدام احترام أبسط حق للإنسان وهو الحق في الحياة، من يتحمل مسؤولية هذه الحالة؟
 
أنا متأكد أن من المستحيل أن نقيم الوضع في العراق بكل زواياه بمسطرة واحدة، لكن مستويات في المسؤولية، عن الجانب الحقوقي فإن سقوط المدنيين على يد ما كان يسمى قوات الاحتلال والآن يسمونها قوات التحالف، وعلى أيدي المتمردين، وهنا أقول إنهم ليسوا فئة واحدة وليسوا بالضرورة إرهابيين، أحيانا هم مقاومة وأحيانا هم فئات أخرى، لكن ذلك يطرح سؤالا هاما، إنه خلال الحرب اللبنانية الإسرائيلية، سقط من المدنيين بالعراق في شهر واحد أكثر مما سقط في سنة، إلى متى سيتمكن المجتمع الدولي من النظر لصور قتل المدنيين في العراق دون أن يطرح رؤية ولكن تدخلا حاسما.
 
هناك انهيار مدمر في احترام حق المدنيين في الحياة. أين مسؤولية الاحتلال والإدارة الأميركية من هذه المأساة الكبرى؟
 
الإدارة الأميركية تتحمل مسؤولية كبرى، فهي لم تعاقب حتى اليوم بشكل حقيقي مسؤولا واحدا عن أبو غريب، وهي دأبت على وصف المنتهكين في أبو غريب بتفاحات عفنة بالصندوق، هذا لا نقبله، لأن هذه ليست مشكلة تفاحات عفنة لأن هناك مسؤولين يجب أن يحاكموا لأنهم عرفوا بالانتهاكات.
 
أريد أن أسأل عن مفارقة أخرى أن تونس التي تتهم من قبل منظمات حقوق الإنسان بأنها لا تحترم تلك الحقوق، هي الآن عضو مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة كأول دولة عربية وثاني دولة أفريقية، فسر لي هذا اللغز إن صح التعبير؟
 
مجلس حقوق الإنسان بحد ذاته هو إنجاز وانتصار للمدافعين عن حقوق الإنسان، لأنه يشكل ويعمل بعيدا عن "الكوتا" السياسية والنفوذ الدولي، وهذا يفسر أن الولايات المتحدة ليست إلى الآن طرفا فيه، هناك مجموعة من الأعضاء انتخبت تونس لتكون عضوا بهذا المعقل، نحن نأسف لانتخاب تونس بالمجلس، ونريد أن يأخذ قادة ورؤساء الحكومات الأخرى بعين الاعتبار المعايير الفعلية لحقوق الإنسان، ويقرروا بالآلية الموجودة حاليا عزل تونس.
 
أنتم تجوبون الدول العربية وتصدرون تقارير عن حالة حقوق الإنسان فيها، هل هناك دول تمنعكم من العمل فيها؟
 
هناك صعوبة بالدخول إلى السعودية، أو التحقيق بأي شيء فيها. هناك صعوبة بالدخول إلى إيران، هي ليست عربية لكنها ضمن منطقة اختصاصي، هناك انعدام في الوصول لإيران، وهناك صعوبات بالغة في العمل بالجزائر، هناك منع من أخذ التأشيرة والمنع من الدخول، سوريا تمثل تحديا حقيقيا لأننا رصدنا منذ مطلع العام الحالي ازديادا في شراسة السلطات في الانقضاض على المعارضين السوريين، وأنا لا يمكنني تخيل اعتقال ميشيل كيلو في المطار.
 
هنا طبعا صعوبة في العمل بتونس، هناك رقابة لصيقة ومكثفة على ناشطي حقوق الإنسان، وهناك صعوبة في التحقيق مع جهات محددة، لكن مع ذلك لم نُمنع ولا مرة من دخول تونس، لكن هناك صعوبة في التحقيق بالانتهاكات، أحيانا هناك مشاكل في ليبيا ونعطى تأشيرات لدخولها، وعندما نحاول عمل زيارات وأبحاث ميدانية هناك رقابة لصيقة، وهناك دولة مشهود لها بالانفتاح كالإمارات العربية المتحدة أصدرنا مذكرة عن انتهاك حقوق العمالة المهاجرة فيها، والردود التي جاءت من الإمارات غير مريحة لأنها تعبيرات غضب غير مبرر، وأنا شخصيا قاسيت طويلا للحصول على تأشيرة دخول للإمارات.
المصدر : الجزيرة