كريم حسين نعمة

لقد أحدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول صدمة كبيرة في الولايات المتحدة إلى درجة دفعت الكثير من الأميركيين إلى اعتبار أبعاد هذا الحدث أهم وأخطر من الأبعاد التي تركها الهجوم الياباني على الأسطول الأميركي في بيرل هاربر في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941.

ومثلما أدى الهجوم على بيرل هاربر -الذي أسفر عن مقتل 2300 من الجنود الأميركيين وإغراق أو تدمير 19 سفينة وبارجة حربية- إلى تغيير مجرى التاريخ الحديث وإرغام الولايات المتحدة على دخول الحرب العالمية الثانية، فإن هجمات سبتمبر/أيلول على مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، والتي راح ضحيتها حوالي ثلاثة آلاف شخص، أعادت دورة التاريخ على نحو أقسى لأنها استهدفت رموز الهيبة الأميركية الاقتصادية والعسكرية.

وكانت هذه الهجمات إيذانا ببدء الحرب العالمية على ما سمي الإرهاب. وتصدرت هذه الحرب أجندة سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش، وشكلت انعطافة خطيرة وغير مسبوقة في التاريخ لكونها حربا غير واضحة المعالم.

وبدأت هذه الحرب داخليا بالقاء القبض على الآلاف من الأشخاص منهم الكثير من المواطنين الأميركيين من أصول شرق أوسطية، وجرت معظم الاعتقالات بصورة غير معهودة في القوانين الجنائية الأميركية إذ لم يتمتع المشبه فيهم بحق التمثيل القانوني لهم من قبل محامين.

ورغم صعوبة تحديد ساحة محددة للحرب على الإرهاب في الجبهة الخارجية، اعتبرت الولايات المتحدة المناطق الجغرافية التالية كجبهات، وهي: جنوب آسيا وبالتحديد أفغانستان وباكستان، والشرق الأوسط وبالتحديد العراق والسعودية واليمن، وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وبالتحديد الشيشان وجورجيا وأوزبكستان، وجنوب شرق آسيا متمثلة بالفلبين وتايلند وإندونيسيا، وأفريقيا متمثلة بجيبوتي وإثيوبيا وإريتريا وكينيا والصومال والسودان وتنزانيا.

استهلت الولايات المتحدة حربها على ما تسميه الإرهاب بغزو أفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول 2001 بذريعة إيواء حركة طالبان الحاكمة آنذاك زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن المتهم بالوقوف وراء هجمات سبتمبر/أيلول. وقد نجحت هذه الحملة بالإطاحة بحكومة طالبان وتنصيب حكومة موالية لواشنطن برئاسة حامد كرزاي.

ثم بدأت الجولة العسكرية الثانية من الحرب على الإرهاب والتي عرفت بغزو العراق في مارس/آذار 2003، وكانت في إطار ما عرف بالحرب الوقائية بزعم وجود أسلحة دمار شامل في هذا البلد ووجود صلات بينه وبين تنظيم القاعدة. وقد كشفت الوقائع بعد ذلك زيف هذه التبريرات.

ورغم نجاح هذه الحرب في الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين ونظامه، فإنها كانت أيضا سببا في تحول العراق إلى مركز جذب لعناصر تنظيم القاعدة. وهكذا تحول هذا البلد منذ احتلاله في ربيع 2003 إلى ساحة مواجهة رئيسية بين الولايات المتحدة والقاعدة.

وقد تمكنت القوات الأميركية خلال هذه المواجهة من قتل وأسر العديد من قياديي هذا التنظيم، ومن أبرزهم زعيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي الذي قتل في غارة أميركية على مخبأ له قرب مدينة بعقوبة شمال شرق بغداد في السابع من يونيو/حزيران 2006. وتكبدت هذه القوات في المقابل خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

الحملة الأميركية على أفغانستان والعراق تزامنت مع حملة أخرى غير مسبوقة ضد قياديي القاعدة والتنظيمات المتحالفة معها في جميع أنحاء العالم.

وقد نجحت الولايات المتحدة في تحقيق بعض "الإنجازات" في هذه الحملة لعل من أبرزها اعتقال قياديين بارزين من القاعدة وترحيلهم إلى معتقل غوانتانامو تمهيدا لمحاكمتهم، من بينهم الفلسطيني أبو زبيدة المقرب من بن لادن والمسؤول عن التجنيد والعمليات الخارجية للقاعدة وقد اعتقل في باكستان في مارس/آذار 2002، واليمني رمزي بن الشيبة الذي يوصف بأنه أحد المشاركين الرئيسيين في هجمات سبتمبر، وقد اعتقل في باكستان يوم 11 سبتمبر/أيلول 2002، وخالد شيخ محمد الرجل الثالث في القاعدة والعقل المدبر لهجمات سبتمبر، وقد اعتقل في باكستان أيضا في الأول من مارس/آذار 2003.

غير أن أسامة بن لادن ومساعده أيمن الظواهري وزعيم طالبان الملا محمد عمر ما زالوا طلقاء رغم مرور خمسة أعوام على بدء الحملة ووعود بمكافآت مالية تبلغ ملايين الدولارات في حال المساعدة في الإبلاغ عن أماكن اختبائهم.

ويرى مراقبون أن أهم ما حققته الحرب على ما يسمى الإرهاب يتمثل في التخلص من نظام طالبان في أفغانستان وتحول باكستان إلى حليف رئيسي للولايات المتحدة في هذه الحرب بعد أن كانت الداعم الرئيسي لطالبان، والإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين، والقضاء على شبكة العالم النووي الباكستاني عبد القادر خان السرية التي زودت دولا تعتبرها واشنطن مارقة مثل ليبيا وكوريا الشمالية بالتقنية النووية، وتخلي الرئيس الليبي معمر القذافي عن برنامجه النووي.
ـــــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة