بطل الأوبرا رادميس ارتدى زي القادة العسكريين الأوروبيين (الجزيرة)
 
تقدم دار أوبرا زيورخ في موسمها الحالي أوبرا عايدة للموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي التي ألفها بطلب من الخديوي إسماعيل حاكم مصر لتقديمها بمناسبة افتتاح قناة السويس عام 1871.
 
ورغم أن قصة هذا العمل الأوبرالي مبنية على أسطورة فرعونية قديمة تدور أحداثها بالكامل في وادي النيل، وحرص كل من تناول هذا العمل على الحفاظ على هذه الخصوصية، فإن المخرج الفرنسي نيكولا جويل تجاهل هذه الحقيقة التاريخية المعروفة وقدم على المسرح ديكورا وملابس لا تمت لتاريخ العمل بصلة، بل تصيب المتفرج أحيانا بالتناقض والانفصام بين ما يسمع ويرى.
 
فالديكور يوحي بأجواء أوروبية بمبان من الطراز المعماري المشهور في القرن الـ19، والملابس لا صلة لها بالفراعنة بل جاءت كلها خليطا من الأزياء الفرنسية والإيطالية والبريطانية، التي كانت شائعة في ذاك الوقت، رغم أن النص مخصص للعصر الفرعوني بمعابده وطقوسه ونيله والصحراء وغيرها من البيئة الفرعونية المصرية النوبية التي دارت فيها أحداث القصة الأصلية.
 
أما الشخصيات المصرية البارزة في الأوبرا، مثل الفرعون والوزراء، فقد ألبسهم أزياء أشبه بزي الخديوي إسماعيل والوزارء في عهده في القرن الـ19، مع قلة في الحاشية ارتدت ملابس بدوية مثل العباءة والعقال، بينما ارتدى كهنة المعبد وكبيرهم ملابس تشابه تلك التي يستخدمها حراس وقيادات المحافل الماسونية.
 
لكن المهزلة تعظم عند ظهور القائد الفرعوني رادميس منذ بداية العرض بملابس عسكرية أوروبية وهو المفترض فيه أن يدافع عن أرض مصرية، ونفس الكورال الذي يرتدي ملابس العسكر الأوروبية هو الذي يهتف من فوق أرض مصر حسب النص "الحرب الحرب.. الموت للغرباء".
 
دار أوبرا زيورخ شهيرة بأصالتها لذلك اعتبر النقاد نسخة عايدة "مهزلة" (الجزيرة)
وفي مشهد استعراض النصر العسكري المشهور في تلك الأوبرا بعد الانتصار على الأعداء، ظهر القائد مرتديا قبعة نابليون بونابرت! ثم يغني الكورال "المجد لمصر" ويهتف برفع أكاليل الغار وزهور اللوتس، ثم يرفع الأعلام الفرنسية والبريطانية عالية في الهواء!
 
الجيش الذي ساعد هذا القائد في تحقيق النصر ألبسه المخرج ملابس عسكرية بريطانية وفرنسية وإيطالية! بينما الجنود المكلفون بسباية الأسرى وحراستهم فحرص المخرج على أن تكون ملابسهم عربية وملامحهم كذلك، والخدم الذين يقومون على رعاية السيدات يرتدون ملابس أشبه ما تكون بأزياء المماليك. وكذلك الأسرى والعبيد فكان يجب أن تبدو على وجوههم القسمات الشرقية.
 
حتى مغنية السوبرانو السويدية نينا شتيم التي أدت دور عايدة، والتي من المفترض أن يكون مكياجها يحمل ملامح نوبية لأنها في أصل الرواية من الحبشة، فقد قدمها المخرج من دون أي نوع من الماكياج ليجعل بشرتها داكنة ولو قليلا، فأصبحت منذ هذا العرض أول أميرة إثيوبية زرقاء العينين بيضاء البشرة، كما لم تتمكن من تجسيد دور الأسيرة بل تقمصت طيلة العرض دور الأميرة التي ضاع حبها.
 
لم يحدث أن تم تقديم عايدة بهذا الأسلوب الساذج من قبل، ولم يكن من المتوقع من أوبرا زيورخ التي لها تاريخ فني عريق أن تجيزه رغم كل هذا التناقض بين النص والإخراج، ولم ينقذ العرض سوى أداء الأوركسترا القوي بقيادة المجري آدم فيشر، كما أحسنت لوتشيانا دينتينو أداء دور الأميرة أمنريس ربما لتمرسها فيه منذ سنوات، وساعدت المساحات الصوتية الواسعة لمغني ألتينور سلفادور ليشيترا على أداء دور القائد العسكري رادميس بما فيه من تقلبات متعددة.
 
أوبرا عايدة لها نص تاريخي مرتبط بأحداث ووقائع جغرافية لا يمكن الانفصام عنها، والذي ارتبط في أذهان كل من شاهده أو سمعه بالحضارة الفرعونية. والأوبرا ليست كالنصوص الأخرى التي يمكن تكييفها مع كل ديكور أو ملابس لعدم ارتباطها بزمن تاريخي أو منطقة جغرافية، ومشكلة عرض أوبرا زيورخ أنه لم يقدم عملا فنيا بل مغالطة كبرى بكل المعايير.
___________________

المصدر : الجزيرة