باعة الكتب المتجولون في الجزائر جزء أصيل من واجهة المدينة

أحمد روابة-الجزائر

صباح كل يوم يعرض مصطفى بضاعته على رصيف الطريق الفرعي المؤدي للجامعة المركزية بالعاصمة، ويمارس مهنته منذ سنوات طويلة، زبائنه أغلبهم من طلبة الجامعة والأساتذة والمثقفين عموما، وهو نفسه يتبين من خلال الحديث معه أنه يملك قدرا لا يستهان به من الثقافة أو على الأقل معلومات واسعة عن عالم الكتب التي هي بضاعته.

باعة الكتب المتجولون الذي أردنا الحديث عنهم وإليهم أصبحوا جزءا أصيلا من واجهة المدينة، حيث يوجدون في الشوارع والطرقات والساحات العمومية والأسواق، يفترشون الأرض للكتب القديمة والجديدة والمجلات وكل ما يستهوي القارئ، ينافسون في بيع المعرفة العلمية والأدبية المكتبات.

مصطفى الذي تحدثنا عنه يحتل ركنا له في الشارع منذ قرابة عشر سنين وهو معروف لدى هواة الكتب القديمة، يزودهم بكل ما يبحثون عنه في قراءاتهم أو أبحاثهم، ويمكن أن تجد بين أكوام الكتب التي يعرضها العناوين النادرة التي أعيت الباحثين عنها، كما يمكن أن تطلب العنوان الذي تريد ويعدك مصطفى بالبحث عنه وتزويدك به.

فرص ذهبية
في نفس الشارع وغير بعيد يعرض باعة آخرون كتبهم ومجلاتهم القديمة، بعضها ممزق وأوراق صفراء نال منها الزمن وأبلتها الأيام وبعضها لا يزال في حالة جيدة رغم قدمه، وهنا يمكن أن تجد فرصا ذهبية كما قال لنا أحد زبائن مصطفى الأوفياء.

في المكتبات الأسعار غالية وقد تشتري نفس الكتاب الموجود فيها بنصف ثمنه أو أقل، ويكفى أن تبحث جيدا وتصبر بعض الوقت، كما قالت ليلى طالبة الماجستير في الجامعة المركزية، إنها وجدت هنا على قارعة الطريق كتبا ومراجع لم تعثر عليها في المكتب الجامعية.

في الركن المقابل زميل مصطفى متخصص في الكتب المدرسية، أولياء التلاميذ من ذوي الدخل البسيط يجدون ضالتهم عنده، فهو يشتري الكتب المستعملة في نهاية كل سنة ليبيعها بأسعار أقل عند دخول العام المدرسي المقبل.

باعة آخرون متخصصون في الكتب العلمية والتكنولوجية، في الهندسة والإعلام الآلي، في الطب وعلم الفضاء، وهم يعرفون قيمتها ويحدثونك عن محتوياتها مثل الدارس العارف، حتى أنك تتساءل عن مستواهم التعليمي، حيث تجد كتبا بكل اللغات وفي كل الميادين العلمية يتفننون في عرضها وبيعها بطريقة تجعلك تحتار في أمرهم.

من التراث الإسلامي إلى الأدب الأميركي مرورا بالحضارة الأوروبية والفلسفة القديمة، وجدنا كتبا مرصوفة على قارعة الطريق، وهناك كتب الأغاني بجانب هاري بوتر، ومقدمة ابن خلدون مع نهاية التاريخ، وأعلام كبار وكتاب مغمورون جنبا إلى جنب.

القاريء الحذق يعرف كيف يقلب أكوام الكتب ليجد ما يبحث عنه
المستوى التعليمي

الحقيقة أن بعض باعة الكتب له نصيب من العلم ومنهم من تردد على الجامعة بعض الوقت لكن غالبيتهم لا يملكون من التعليم الأكاديمي إلا مستوى بسيطا، لكن ممارستهم المهنة مدة طويلة أكسبتهم معرفة ومعلومات واسعة في الميدان جعلتهم قادرين على التمييز وتقدير محتوى وقيمة البضاعة التي بين أيديهم.

والقارئ الحذق يعرف كيف يقلب أكوام الكتب ليجد ما يبحث عنه ثم يدخل في مفاوضات مع البائع الذي يجتهد بكل ما أوتي من مهارة لكسب المشتري وتسريح الكتاب ولو بسعر قليل، لينتقل لزبون آخر وفرصة أخرى لا يريد أن تضيع.

باعة الكتب يشترون أيضا من زبائنهم، فإذا أردت أن تستغني عن كتاب قديم أو جديد لم تعد لك حاجة به، يعرف مصطفى وزملاؤه قيمته ويعرضون عليك سعرا على الفور، كما يمكنك أن تستبدله بكتاب آخر.

كل الصفقات ممكنة وكل الفرص متوفرة في سوق الكتب المتنقلة، إنها مكتبات غنية بما تحمله من ثروة علمية ومعرفية كبيرة رغم مظهرها على الطرقات تعتبر ثروة لا يدركها إلا العارفون من هواة القراءة وطلبة العلم.
ـــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة