معاناة مراسل الجزيرة نت بالضفة في زنازين وسجون إسرائيل
آخر تحديث: 2006/5/26 الساعة 00:32 (مكة المكرمة) الموافق 1427/4/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/5/26 الساعة 00:32 (مكة المكرمة) الموافق 1427/4/28 هـ

معاناة مراسل الجزيرة نت بالضفة في زنازين وسجون إسرائيل

عوض الرجوب كان ناقلا لمعاناة الفلسطينيين فأصبح جزءا منها بعد الاعتقال (الجزيرة)
 
لا يمكن لتجربة قصيرة, وإن كانت مؤلمة أن تصف بدقة كل أشكال المعاناة والقهر والحرمان التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، وربما تكون تجربتي كصحفي التي استمرت نحو ستة أشهر، الأبسط بين تجارب آلاف الفلسطينيين.
 
فقد كانت البداية باختطافي من منزلي قرب الخليل بواسطة قوة عسكرية فجر الأربعاء الثلاثين من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، حيث بقيت مقيد اليدين ومعصوب العينين، وألقي بي مع آخرين في العراء دون طعام أو شراب وبين جنود لا أفهم لغتهم لعشرين ساعة متواصلة، تخللها الكثير من الإهانات.
 
زنازين المسكوبية
انتهى بي اليوم الأول إلى سجن المسكوبية المسمى بـ "المسلخ"، ومن أبرز محطات هذه المرحلة إجباري على الخضوع للتفتيش العاري تماما فور وصولي، وتجريدي من معظم احتياجاتي الشخصية.
 
بعد ذلك تم نقلي إلى زنزانة انفرادية نتنة، ذات جدران خشنة سوداء، بها إضاءة خافتة تفتقد للتهوية الطبيعية، ولا أدري هل هي تحت الأرض أم فوقها، ولا يفتح بابها إلا لإدخال الطعام حتى يبقي الإنسان على قيد الحياة، أو لسحب المعتقل بطريقة مهينة إلى غرف المخابرات للتحقيق، ويتم ذلك بوضع نظارة سوداء على العينين داخل الزنزانة وتقييد اليدين إلى الخلف وسحب الأسير بقوة من القميص.
 
والدة عوض الرجوب (الجزيرة)
وخلال فترة التحقيق منعت من لقاء المحامي، وهددني المحققون بأن والدتي وزوجتي ستتأثران إذا لم أقر بالتهم الموجهة لي. كما هددوني بالقضاء على مستقبلي وتحويلي للاعتقال الإداري المفتوح.
 
وتعرضت أيضا لـ "الشبح" حيث أجلسوني على كرسي خشبي صغير مثبت، وتم ربط يديي المقيدتين من الخلف في أرضيته، وكانت أطول مدة تعرضت فيها للشبح مدة ثماني عشرة ساعة متواصلة، تخللها فترتا استراحة قصيرتان لتناول الغداء والعشاء.
 
وتركز التحقيق منذ اليوم الثاني للاعتقال على طبيعة عملي وكيفية إعداد التقارير الصحفية والشخصيات التي أتحدث إليها ومواقعها القيادية، وتوظيف علاقاتي الإعلامية لصالح تنظيمات فلسطينية، وهو ما نفيته تماما ولم تثبت صحته.
 
قضيت معظم أيام التحقيق الـ48 في العزل الانفرادي، وتخلل هذه الفترة الكثير من القلق والضغط النفسي، وفيها عرضت على قاض عسكري ليس له من القضاء إلا الاسم ثلاث مرات، فقرر في المرة الأولى تمديد توقيفي 16 يوما بحجة "تهديد أمن المنطقة" وفي المحكمة الثانية تم تمديد التوقيف ثمانية أيام هذه المرة بحجة "تهديد أمن الجمهور".
 
سجن عسقلان
وبعد الانتهاء من محنة الزنازين انتقلت إلى سجن عسقلان المركزي أحد أكثر السجون مرارة ، فلا يمكن الدخول بالأغراض الشخصية إلا بما يرتديه الأسير من ملابس، وهناك تسلمت ملابس خاصة بمصلحة السجون، ونقلت إلى أحد الأقسام وعشت الحياة التي عاشها على مدى عقود عشرات آلاف الأسرى في السجون ويعيشها الآن نحو عشرة آلاف أسير.
 
بالنسبة للأقسام يحتوي كل قسم على خمس غرف، في الواحدة منها على الأقل 15 أسيرا يتحكم السجان فيها بكل شيء, إذ يجبر الأسرى على الوقوف ثلاث مرات لعدهم، ويجبرون على الخروج من الغرف بحجة "الدق" وهو طرق الجدران والبلاط بحجة التفتيش عن محاولات للحفر، هذا عدا اقتحام الغرف وتقييد الأسرى والعبث باحتياجاتهم، والتفتيش الكهربائي أثناء الخروج إلى "الفورة" (الساحة) أو العودة منها.
 
بالنسبة للتغذية فيعدها سجناء مدنيون إسرائيليون وهي سيئة وفقيرة وبكميات قليلة جدا، وكمثال فقط يقدم للغرفة أقل من كيلو واحد من الأرز، ونصف حبة بندورة في اليوم، وبيضة وغيرها.
 
زوجة عوض الرجوب (الجزيرة)
وبعد خمسة أشهر من التوقيف وجهت لي لائحة اتهام، تضمنت بندا واحدا فقط حكمت به بالسجن ستة أشهر ونصف الشهر بتهمة تقديم خدمات لجهات غير مشروعة، بعد أن استمر التحقيق طويلا حول طبيعة عملي الصحفي وعلاقاتي الإعلامية.
 
ومن الغريب في هذا الاعتقال أن لحظة الإفراج أمس لم تكن أقل صعوبة من لحظة الاعتقال، إذ فوجئت بقرار إعادتي للقسم بحجة أن الإفراج كان بطريقة الخطأ، وهو ما حدث مع كثيرين بالفعل، لكن تبين لي بعد دقائق أن كلام الضابط كان بهدف الإحباط والاستهزاء فقط.
 
ختاما، رغم آلام هذه التجربة فإني رأيت فيها رحلة إلى عالم آخر يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين، وفرصة لنقل الكثير من أشكال المعاناة التي لا تتناقلها وسائل الإعلام ولا يعرفها سوى من خاض التجربة.
__________________
مراسل الجزيرة نت
المصدر : الجزيرة