أميركا تحولت لدولة أمنية والإسلام أصبح بديلا للشيوعية
آخر تحديث: 2006/4/28 الساعة 21:13 (مكة المكرمة) الموافق 1427/3/30 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/4/28 الساعة 21:13 (مكة المكرمة) الموافق 1427/3/30 هـ

أميركا تحولت لدولة أمنية والإسلام أصبح بديلا للشيوعية

فرانك دانينوس
حاوره سيد حمدي

الصحفي والكاتب فرانك دانينوس أحد الوجوه الصاعدة في عالم البحث والتأليف في مجال العمل الاستخباراتي ويعد من الباحثين الذين يحظون بثقة أجهزة الاستخبارات الفرنسية في هذا الشأن حيث يقوم حاليا بمهمة بحثية لصالح وزارة الدفاع الفرنسية مكنته من الاطلاع على الكثير من الوثائق والمعلومات التي تتميز بها آراؤه وتحليلاته. الجزيرة نت التقت دانينوس في مكتبه بباريس وكان معه هذا الحوار:

حدثنا أولا عن عنوان كتابك الجديد الذي يحمل عنوان "الهزيمة المزدوجة للاستخبارات الأميركية".
الهزيمة المزدوجة للاستخبارات الأميركية في العراق يحلل الظروف التي تحيط  بالحرب التي شنها الأميركيون في العراق واندلاع الإرهاب الشامل والدائم الذي أثر على الولايات المتحدة وأوروبا ومن بينها فرنسا والذي يهدف إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية والاقتصادية. أعتقد أن الأميركيين وهم أول من تأثر بالإرهاب, تسرعوا في تحركهم دون أن يأخذوا الوقت الكافي لتحليل جوانب المشكلة التي يواجهونها. وقد دانت السيادة على هذا الصعيد لتحليلات إدارة الرئيس جورج بوش، فيما تبنى المختصون في الاستخبارات والأمن ومكافحة الإرهاب الأميركيون رأيا مخالفا فيما يتعلق بالحرب على العراق.
 
ما حقيقة ما تردد من معلومات عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل قبل الحرب؟
أنا لدي معلومات تفيد أن الاستخبارات الفرنسية مثل نظيرتها الأميركية كانت تعتقد أن (الرئيس العراقي المخلوع) صدام حسين كان لديه مخزون من الأسلحة الكيميائية منذ حرب الخليج الأولى، بينما اعتقدت هذه الأجهزة خاصة الأميركية أن ما يتعلق بقدراته النووية يكتنفه الغموض وأن الأمر مفتوح على كل الاحتمالات، وأنه من المحتمل أن يكون قد بدأ إعادة تفعيل برنامجه النووي بدءا من عام 1998. كما ذهب الأميركيون والبريطانيون والفرنسيون إلى فرضية تحتمل التصديق تفيد أن صدام حسين سعى إلى امتلاك اليورانيوم من النيجير التي تشهد وجودا لشركات طاقة خاصة الفرنسية لديها إلمام جيد بالأوضاع في هذا البلد وذلك دون الدخول في تفاصيل ما حدث مع السفير الأميركي وإفشاء سر زوجته عميلة الاستخبارات الأميركية وما تبع ذلك من فضائح مستمرة حتى اليوم.
 
ما هو أفق الحرب الوقائية التي شنتها الولايات المتحدة على العراق؟
إن لسيناريو الحرب الوقائية الذي قامت على أساسه الحرب على العراق أفقا يصعب معه وضع سقف يحكم تحركاته. لذلك نلاحظ فرقا واضحا في تركيز الوثائق الأميركية عام 2002 على أهمية الحرب الوقائية بينما يتراجع هذا التركيز والحديث عنه في الصحافة عام 2006. فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب زادت أهمية التعاون الوثيق بين الحكومات بدرجة كبيرة مع ملاحظة أن آلة الحرب على الإرهاب تعاني نوعا من التفلت القانوني، الأمر الذي تشتهر به العمليات الخارجية لأجهزة الاستخبارات.
 
مراسل الجزيرة نت يحاور فرانك دانينوس
على مستوى وسائل التنفيذ ماذا تلاحظ من تحول في عمل الاستخبارات الأميركية؟
أستطيع القول بأن الأميركيين بدؤوا العودة إلى إعطاء العنصر البشري الأهمية التي يستحقها بعد أن تراجع لزمن طويل لحساب وسائل التجسس الإلكترونية. فالعدو الجديد أي الإرهاب فرض على أجهزة الاستخبارات عموما تخفيف اللجوء إلى السفارات كمركز تقليدي لدعم هذه العمليات وبات من الضروري تكثيف اللجوء إلى سبل الاختراق عبر أفراد مؤهلين لهذا الدور. ويلفت الانتباه أن أجهزة الاستخبارات الأميركية خففت كثيرا من الشروط الواجب توافرها فيمن يتقدم إلى طلب الوظيفة لديها. بالنسبة للأميركيين احتل الإرهاب على خلفية أحداث سبتمبر/أيلول الأولوية، وكان عليهم أن يقوموا بتركيب مقاربة لمكافحة الإرهاب مع مقاربة جاسوسية تقليدية في العراق. لكن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية التي لا تزال خاضعة للقيود الإدارية رغم ما تم إدخاله من إصلاحات، يعيبها على نحو خاص القصور في الجاسوسية البشرية التي يقوم بها أفراد مدربون. وترتب على ذلك أن المعلومات التي تم الحصول عليها لم تكن على المستوى المطلوب سواء من ناحية عنصر الزمن أو الدقة أو التوظيف الجيد. لقد كانت لدى السياسيين الأميركيين شهية هائلة تجاه أي معلومات عن العراق. وتحت هذا الظرف تم إضافة وخلط المعلومات على نحو غير موات دون أن تأخذ الوقت الكافي، أي العناية الواجبة لتحليلها.
 
هل وصل الحال بتلك الأجهزة إلى أن أصبحت دولة داخل الدولة؟
مع تعاظم دور أجهزة الاستخبارات الأميركية الـ16 زاد دورها دون أن يعني ذلك أنها وصلت إلى وضع الدولة داخل الدولة. فالسياسيون في كل دول العالم حريصون على إبقاء أجهزة الاستخبارات تحت السيطرة ويلجؤون في ذلك إلى تفتيت الاختصاصات وتوزيعها بين سائر هذه الأجهزة. وتكشف لنا التحولات الحديثة في بنية الأجهزة الفرنسية عن وجود ميل نحو المركزية دون أن يصل ذلك إلى حد خروجها عن سيطرة السياسيين. ورغم أن فرنسا لم تقلل دور العنصر البشري بالشكل الذي حدث مع الأميركيين فإنها بدأت أيضا في إضافة المزيد من الاهتمام به.
 
من تلاعب بمن السياسيون أم الاستخبارات؟
بدا الأمر واضحا بعد أن انتهت الحرب وبدأ السؤال عن أسلحة الدمار الشامل في العراق التي لم يؤد البحث عنها إلى نتيجة تفيد ما سبق الحرب من ادعاءات. إن كل لجان التحقيق التي تم تشكيلها في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وإسرائيل وكافة المعلومات التي جمعتها في هذا الشأن تظهر أن السياسيين لم يقعوا ضحية للتلاعب في المعلومات الاستخبارية التي تلقوها دون إغفال الأجواء الدعائية التي غلفت أجواء الحرب على العراق. والخلاصة هنا تأخذ بعين الاعتبار أن دور الاستخبارات هو إضاءة الطريق أمام السياسيين، لكن الأمور في الولايات المتحدة سارت في طريق مختلف حيث اتخذ السياسيون قرارا بالحرب على العراق وهو القرار الذي لم تنصح به أجهزة الاستخبارات. الأكثر من ذلك أنهم استعملوا هذه الأجهزة ليبرروا قرار الحرب أمام الرأي العام. نحن هنا أمام ظاهرة تحمل تناقضا، فالاسخبارات توفر المعلومة التي يسترشد بها رجال السياسة، لكن الإدارة الأميركية استخدمت الاستخبارات لتمرير قرارها المسبق بشن الحرب.
 
ما أهمية الجانب الشخصي للرئيس بوش في مسار الحرب؟
هناك ما يعرف باسم "عقيدة بوش" التي أصبحت وثيقة رسمية لـ"الأمن الوطني" لعام 2002. في زمن الحرب الباردة كان قوام العقيدة الإستراتيجية الأميركية هو توازن الرعب الذي يوفر نوعا من الاستقرار وجدت معه الولايات المتحدة طريقة تضمن لها الدفاع عن نفسها والتعامل الفعال مع الاتحاد السوفياتي. اليوم الموقف تغير بفضل الاستخبارات، إذ أمكن للولايات المتحدة الدفاع عن نفسها على نطاق واسع دون أن تتمكن -رغم ذلك- من تحقيق الردع مثلما كان الوضع مع توافر السلاح النووي في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
 
هنا يجري الحديث عن عقيدة بوش المتمثلة في الحرب الوقائية التي تتصف بالتشدد الكبير مع الاستخبارات المصممة بدورها على مجابهة هذه الإستراتيجية. وقد لوحظ أنه بعد تدمير مركز التجارة العالمي أن الاستخبارات اكتسبت شرعية جديدة ووضعت الإدراة الأميركية أملها في هذه الأجهزة لمواجهة التهديد الجديد. وإذا ما قمنا بتحليل خطابات السياسيين سنجد أنهم استدعوا الاستخبارات على نحو متزايد في هذه الخطابات وباتت تستخدم أكثر في سياسة التهديد وفي الدبلوماسية وتبرير الخط السياسي في الداخل والخارج.
 
لعل ذلك يدفع إلى الاعتقاد بأن أجهزة الاستخبارات تلعب اليوم دورا سياسيا أكبر بكثير مما كانت تلعبه في الماضي؟
بالتأكيد.
 
هل يمكن القول إن وجود ظاهرة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن تحقق مطلبا أميركيا يفيد مصالح واشنطن على مستوى أشمل وأوسع من المجابهة المباشرة بين الطرفين؟
لاشك أن استهداف عدو مثل أسامة بن لادن يعد من الناحية الدعائية أسهل كثيرا لتعبئة الرأي العام وتمرير قوانين معينة وتخصيص أهداف معينة. إنه هدف سهل وواضح من حيث المعرفة به وباسمه حتى وإن كان بعيدا عن متناول اليد ويعيش في الخفاء. لذلك يجب ألا نغفل عن التكرار المستمر لأسماء ومصطلحات بعينها.
 
لكني لا أستطيع أن أزعم معرفة ما إذا كان الأميركيون يرغبون في توسيع دائرة الهدف وذلك في سياق الحديث ليس عن بن لادن فقط وإنما أيضا الظواهري والزرقاوي. الأمر هنا من الناحية المادية صعب لأن التعامل يتم في الوقت نفسه مع عدو مختف عن العيون. وهذه الحقيقة تدفعني مرة أخرى إلى التنبيه على تراجع الدور الأمني للسفارات لصالح الجواسيس أو العملاء من الأشخاص الذين يخترقون الدوائر الإرهابية.
 
أي الأشخاص أوفق في تقديرك للقيام بهذا الدور؟
أعتقد أنهم قدامى الجهاديين من الذين خدموا في أفغانستان على سبيل المثال. كثيرون منهم اليوم في غوانتانامو وبغرام. في تقديري أن الاستخبارات الأميركية بدأت تلجأ إلى هؤلاء لاستقطابهم على مدى سنوات بقائهم في السجون للعمل لديها فهذه النوعية مطلوبة جدا. وقد لاحظنا استخدام نساء محققات لاستجوابهم وباستخدام أساليب لا تخلو من الإيحاءات الجنسية في مواجهة أناس متدينيين.
 
مجدية هذه الطريقة؟
في تقديري أنها أثمرت وحققت نجاحات.
 
تقول إنك ترصد تغيرات داخل عمل الاستخبارات المركزية الأميركية.
نعم. لقد اختلف الوضع كثيرا بين عامي 2001 و2006. من أهم ملامح التغير استقالة الكثير من المسؤولين الذين عايشوا فترة الحرب الباردة. استقالوا لأنهم لم يكونوا على وفاق مع سياسة الرئيس جورج بوش وهؤلاء رحلوا في أغلبهم بين عامي 2004 و2005. لقد سجلوا اعتراضهم على الحرب على العراق لمبررات من بينها أنها إهدار للوقت والقدرات فضلا عن تشويه صورة الولايات المتحدة في الخارج. والمعروف تقليديا أن عناصر الاستخبارات المركزية الأميركية أميل إلى التيار المتحرر منه إلى التيار المحافظ، ومن ثم فهم أقرب إلى الديمقراطيين منهم إلى الجمهوريين. إلا أنني لا أغفل أيضا وجود آخرين مؤيدين لبوش.
 
وماذا عن الاتهامات الأميركية التي سبقت الحرب على العراق بوجود علاقة بين صدام حسين وتنظيم القاعدة؟
لم تكن هناك علاقات عملياتية بين الطرفين. لكن تم رصد نحو خمسة أو ستة اتصالات بين صدام وبن لادن عرض فيها الأول تقديم المساعدة للثاني لكنه رفض مخافة سيطرة الرئيس العراقي على القاعدة. أما بالنسبة لأداء الاستخبارات الأميركية في هذا الشأن فقد كانت مدفوعة في تحركها بطلب السياسيين بالتنقيب فيما لديها من معلومات على مدى سنوات طويلة مضت بما يثبت هذا الاتهام، فالبحث إذن كان يتم بطربقة انتقائية لإثبات فرضية مسبقة.
 
هل أدى هذا الوضع إلى قيام الدولة الأمنية؟
نعم. في الولايات المتحدة هناك دولة أمنية.. دولة تعاني نوعا من الهلاوس.. مع انتشار ثقافة التهديد وسط الساسة وحتى وسط الشعب.
 
والإسلام أصبح تهديدا بديلا للشيوعية لدى صانع القرار الأميركي؟
نعم أصبح بديلا.
______________
مراسل الجزيرة نت
المصدر : الجزيرة