قادة حماس جمعوا بين الحرص على كسر العزلة السياسية والحفاظ على ثوابتهم (رويترز)
 
أثارت تصريحات الإدارة الأميركية الأخيرة وترحيبها بمباحثات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في موسكو ووصفها لها بأنها "مفيدة", الكثير من التساؤلات حول مغزى تلك الليونة واستفسارات حول مستقبل العلاقة بين الطرفين، خاصة بعد الموقف المتشدد الذي أبدته تلك الإدارة عقب ظهور نتائج الانتخابات الفلسطينية.
 
الحركة التي تصنفها واشنطن بأنها حركة "إرهابية" بدأت مشاوراتها لتشكيل الحكومة فور إعلان فوزها الكاسح والمفاجئ بأغلبية مقاعد البرلمان, وشملت تحركاتها السياسية عقد لقاءات عدة داخليا مع أطراف سياسية أخرى على رأسها حركة فتح بزعامة الرئيس محمود عباس، في محاولة منها لإشراك القوى في حكومة وطنية.
 
أما خارجيا فحاولت الحركة كسر الطوق والخروج من العزلة التي فرضتها عليها القوى الخارجية وعلى رأسها خصمها اللدود إسرائيل وحليفتها واشنطن، منذ أول وهلة أعقبت فوزها بالانتخابات. بدأ التحرك بزيارة تركيا الدولة التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل, وانتهت بتلبية الدعوة التي وجهتها موسكو لها بزيارتها.
 
في موسكو تمسكت حماس بمواقفها الثابتة التي أعلنتها في كل مناسبة وأبرزها عدم الاعتراف بإسرائيل, ورمت بالكرة في المرمى الإسرائيلي عندما اشترطت انسحاب قوات الاحتلال لأراضي 67 وعودة اللاجئين وإزالة الجدار العازل، كخطوة أولية قبل التفكير في أي اعتراف بالدولة اليهودية.
 
السلطات الروسية أبدت ميلا أكبر لتكرار مطالب اللجنة الرباعية التي تتكون بالإضافة إليها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، خاصة فيما يتعلق بمطالبتها وفد حماس بضرورة التخلي عن السلاح والالتزام بالاتفاقيات القائمة وضرورة الاعتراف بإسرائيل, دون أن تقدم أي مبادرة يمكنها تقريب وجهات النظر أو الاضطلاع بنفس الدور الذي كان يقوم به الاتحاد السوفياتي من لعب دور التوازن الدولي.
 
الرد الإسرائيلي لم يتغير قبل الإعلان عن الزيارة ولا بعدها, حيث رفضت بداية فكرة الدعوة الروسية لقادة حماس ثم قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني بتحركات دولية مكثفة في محاولة لعزل الحركة.
 
 
موقف مفاجئ
بعد كل المواقف يخرج المتحدث باسم الخارجية الأميركي آدم إيرلي بتصريحات جمع فيها بين ترحيبه بموقف روسيا من احتضانها قادة حماس ومدح تلك المحادثات, وبين تكرار مطالب اللجنة الرباعية معتبرا أن موسكو نقلت رسالة متطابقة مع أهداف تلك اللجنة.
 
تلك الليونة الأميركية التي خرجت من ثنايا تلك التصريحات هي التي أثارت العديد من المراقبين والمحللين المتابعين لشؤون الشرق الأوسط, خاصة أنها أيضا عززت بترحيب رسمي سابق في أواخر فبراير/شباط الماضي بقرار الاتحاد الأوروبي بمنح مساعدات إنسانية طارئة للسلطة، وهي القضية التي كانت محل تشدد مشترك بين واشنطن وتل أبيب من خلال رفضهما تمويل ما تسميانها "منظمة إرهابية".
 
الدكتور عزام التميمي
لغة دبلوماسية
وفي هذا الشأن رأى الدكتور عزام التميمي مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن، أن واشنطن استخدمت فقط "لغة دبلوماسية" لأنها لم ترغب في أن تكون "قاسية" مع الجانب الروسي بشأن موقفه من حماس, في الوقت الذي تدرك فيه تماما أن حماس يستحيل أن تغير من موقفها.
 
ونفى التميمي في حديث للجزيرة نت أن تؤدي تلك التصريحات الرسمية إلى إمكانية إيجاد تقارب بين واشنطن وحماس في الوقت الراهن، يفضي في النهاية إلى شطب الحركة من قائمة "الإرهاب". واستطرد قائلا إنه يعتقد أن موقف الإدارة الأميركية ضد حماس هو أكثر تشددا من الإسرائيليين أنفسهم, بسبب عوامل عدة أبرزها توجهات زعماء الإدارة الذين هم من المحافظين الجدد وينطلقون من منطلقات أيديولوجية, بالإضافة إلى دعم الكونغرس لتلك السياسات.

وفيما يتعلق بترحيب واشنطن في 28 فبراير/شباط الماضي بقرار الاتحاد الأوروبي بمنح مساعدات إنسانية طارئة للسلطة الفلسطينية، أشار التميمي إلى أن الإدارة انطلقت من ذلك الترحيب من منطلق منع انهيار السلطة الفلسطينية وما يمكن أن يؤدي إليه من عواقب وخيمة, واصفا ذلك الترحيب بأنه "لعب في الوقت الضائع".
 
كما انتقد مدير معهد الفكر ازدواجية تعامل واشنطن مع اللعبة الديمقراطية في الشرق الأوسط, حيث أكد أن فوز حماس تسبب في إحراج تلك الإدارة, إذ اعترفت بداية بنزاهة تلك الانتخابات, لكنها عادت وقالت إنها ترفض أن تستمر الحركة في قيادتها للشعب الفلسطيني إذا لم تغير مواقفها.
 
كما أوضح أن مكمن الحرج هو أن الديمقراطية التي تفضلها الإدارة الأميركية تعتمد على طبيعة النتائج, وليس على إطلاق تلك الديمقراطية, بمعنى أن واشنطن مع اختيار الشعوب لحكامها ولكن ذلك الاختيار لابد أن يتوافق مع سياساتها هي ومصالحها.
___________

المصدر : الجزيرة