مساع رسمية وشعبية في موريتانيا لمواجهة قضية الرق
آخر تحديث: 2006/3/28 الساعة 22:39 (مكة المكرمة) الموافق 1427/2/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/3/28 الساعة 22:39 (مكة المكرمة) الموافق 1427/2/28 هـ

مساع رسمية وشعبية في موريتانيا لمواجهة قضية الرق

 

لم يكن موضوع "الرق في موريتانيا" في ظل النظام السابق مادة يمكن الحديث عنها أو تناولها لأنها كانت محرما إعلاميا لا يجوز الاقتراب منه أو الغوص في أعماقه، لا بل سجن وحوكم العديد من الإعلاميين والحقوقيين وحظر "حزب العمل من أجل التغيير" بسبب الحديث عن الرق وكشف بعض خفاياه.

 

في ذلك الوقت ظل الخطاب الرسمي يركز على نفي وجود أي ممارسات استرقاق في البلد، ويتهم من سماهم الخائنين وأعداء الوطن بتحريك وإثارة الموضوع بغية الحصول على مساعدات مالية من بعض الدوائر الغربية، خصوصا تلك المهتمة بالموضوع والتي سببت تحركاتها المناهضة للرق في موريتانيا والداعية إلى القضاء عليه، متاعب كثيرة للنظام السابق.

 

يوم تفكيري

هذه السياسة لم تستمر بل شهدت, بجانب قضايا أخرى, تغيرات كبيرة بعد حركة الثالث من أغسطس/آب الماضي في البلاد.

 

إذ نظمت وزارة العدل الموريتانية -في سابقة من نوعها- خلال الأيام الماضية يوما تفكيريا حول سبل إنهاء مخلفات الرق في موريتانيا بالتعاون مع المفوضية المكلفة بحقوق الإنسان، واستدعت له العديد من المهتمين بالموضوع بمن فيهم أولئك الذين كان النظام السابق يصفهم بـ"الخائنين وأعداء الوطن".

 

ففي نقاشات ذلك اليوم تحدث ممثلو الحكومة الموريتانية عن أسباب ودوافع الممارسات الاسترقاقية في البلاد، وعن جهود الدولة للقضاء عليها، داعين إلى مناهضتها والقضاء عليها، دون أن يرقى ذلك للاعتراف الصريح بوجودها.

 

"
وزير العدل الموريتاني: اليوم التفكيري سيكون خطوة أولى نحو حوار هادئ جاد وبناء حول إشكالية الرق في البلاد
"
وزير العدل محفوظ ولد بتاح أكد أن ظاهرة الاسترقاق تعد من أشنع وأبغض الممارسات الاجتماعية، وأنها مازالت عقبة كأداء في وجه تمتع الجميع بحقوقه، رغم أن دساتير وتشريعات البلاد كرست مبدأ المساواة بين جميع أفراد الشعب الموريتاني في الحقوق والواجبات بعيدا عن كل الاعتبارات الأخرى، مؤكدا أن هذا اليوم التفكيري سيكون خطوة أولى نحو حوار هادئ، جاد وبناء حول هذه الإشكالية.

 

من جهته استعرض مدير حقوق الإنسان بمفوضية حقوق الإنسان إبراهيم كويتا، جهود الدولة الهادفة إلى القضاء على ظاهرة الاسترقاق خصوصا تلك المتعلقة منها بالناحية القانونية والاقتصادية والتعليمية، لكنه عاد فأكد أنه رغم كل تلك الجهود فإنه لابد من سن قوانين تمنع كل الممارسات الاسترقاقية، وإلى مواءمة القوانين المحلية مع المعاهدات الدولية في هذا المجال.

 

كويتا اقترح أيضا تقوية آليات السلطات العمومية في متابعة وتنفيذ القوانين المتعلقة بالعبودية، ونشرها وإيضاحها في أوساط الموريتانيين عن طريق وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني.

 

هذه التصريحات, إضافة لتعليقات أخرى بذات السياق, اعتبرها كثيرون بمثابة اعتراف رسمي باستمرار وجود تلك الظاهرة، وإن كان اعترافا حذرا ومتحفظا إلا أنه يمثل, رغم ذلك, تحولا في الخطاب الرسمي تجاه هذا الموضوع.

 

مخلفات اجتماعية

"
بيرام ولد اعبيدي: الرق لايزال واقعا معاشا وممارسة يومية لا ينكرها إلا مكابر، ومخلفاته متمثلة في الفقر المدقع والجهل المطبق لشرائح عريضة من المسترقين السابقين الذين أسلمتهم أوضاعهم البائسة لأحياء الصفيح في ضواحي المدن الكبرى في ظروف اجتماعية وإنسانية يرثى لها
"
القيادي في منظمة إنقاذ العبيد والناشط الحقوقي بيرام ولد اعبيدي أشار إلى اعتراف السلطات الموريتانية أخيرا بوجود الرق, وأكد أنه لايزال واقعا معاشا وممارسة يومية لا ينكرها إلا مكابر، وأن مخلفاته هي الأخرى ظاهرة للعيان متمثلة في الفقر المدقع والجهل المطبق لشرائح عريضة من المسترقين السابقين الذين أسلمتهم أوضاعهم البائسة لأحياء الصفيح في ضواحي المدن الكبرى في ظروف اجتماعية وإنسانية يرثى لها.

 

بيرام حمل في حديث للجزيرة نت, المسؤولية عن بقاء هذا الواقع المأساوي على من أسماها "الطبقة الإثنية العربية البربرية الحاكمة" التي اتهمها بتطويع الدولة لصالحها.

 

وبدوره رأى الكاتب الموريتاني سيد أحمد ولد باب أن الرق كظاهرة اجتماعية لم يعد لها وجود في موريتانيا, وإنما هناك بعض البقايا والآثار الثقافية والاجتماعية له. وأضاف أن ما يروج له بعض نشطاء الحركات السياسية عن وجود واقع للعبودية في البلاد, يعتبر أمرا مبالغا فيه. وقال إن موريتانيا ليست سوق نخاسة كما يحاول البعض تصوير ذلك.

 

وفي تصريح للجزيرة نت, اعتبر ولد باب أن إشكالية العبودية ومخلفاتها عانت كثيرا من الاستغلال السياسي أكثر مما استفادت منه سواء من طرف الأنظمة السياسية المتعاقبة على البلد أو النخب التي حملت لواء الدفاع عنها وحصرتها في إطار ضيق يتجاهل الأسباب ولا يهتم بمعالجة الآثار.

 

وشدد ولد باب على العمل على طي صفحة الماضي وإنهاء مشكل العبودية, داعيا إلى تحكيم العقل واعتماد منطق الحوار حتى لا تتحول الأمور من محاولة لإشراك فئات مهمشة اجتماعيا ومتخلفة ثقافية إلى رغبة في الانتقام من ماض ليس للكثير من الحاضرين أي دور فيه.
____________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة