عبد السلام رزاق

في استجابة لتحولات السوق الدولية أو السعي لموارد مالية تقلص حدة العجز السنوي في الميزانية, بدأ المغرب ومنذ العام 1991 سياسة تحرير للاقتصاد واسعة النطاق تمثلت في خصخصة الشركات العمومية أو فتح رأسمال بعض الشركات الأخرى.

 

وهكذا بلغت عائدات الخصخصة منذ انطلاقتها 75.5 مليار درهم أو ما يعادل 7 مليارات دولار. الدوائر الحكومية المغربية ترى أن سياسة الحكومة في هذا الباب تكمن في فتح السوق المغربية على مزيد من المنافسة وشروط الجودة بأقل تكلفة ممكنة بما يخدم مصالح المستهلك.

 

ويبدو أن نجاح عمليات التخصيص في قطاع الاتصالات وخاصة الصفقات المربحة التي سجلت على مستوى شركة اتصالات المغرب دفعت بالحكومة إلى بيع مؤسسات عمومية جديدة أو تحويل بعضها إلى شركات مجهولة الاسم كان أهمها المكتب الوطني للسكك الحديدية الذي تحول اسمه لـ"المكتب المغربي للسكك الحديدية" والصندوق الوطني للقرض الزراعي, فضلا عن بعض المكاتب الوطنية مثل المكتب الوطني للنقل, ومكتب استغلال الموانئ وبريد المغرب ومكتب إنعاش الصادرات.

 

السياسة الاقتصادية الجديدة تنظر إلى عمليات التخصيص باعتبارها رؤية اقتصادية جديدة تقوم على الاستفادة من العائدات المالية لعمليات التخصيص بقصد إعادة استثمارها من جديد في قطاعات أخرى إلى جانب الاستفادة أيضا من جودة الخدمات وتنافسية الأسعار.

 

إلا أن هذا الشرط يبدو غير متحقق حتى الآن في المغرب, وباستثناء قطاع الاتصالات, فإن عمليات التخصيص غالبا ما تحول عائداتها لصرف رواتب الموظفين التي تمثل في الموازنة السنوية المغربية ما نسبته 13% وهو ما اعتبره المشرفون على البنك الدولي رقما مرتفعا وطالبوا بتقليص هذه النسبة إلى حدود 10% مما يعني تسريح قرابة 30 ألف موظف من موظفي القطاع العام.

 

وفي ظل هذه الأوضاع أضحى قطاع الزراعة هو القطاع المعول عليه, بنظر الدوائر الحكومية الحالية, لاسيما بعد إعلان وزارة الزراعة المغربية أن مجموع طلبات العروض المقدمة لاقتناء حصة من أراضي شركتي صوديا وصوجيتا بلغت 630 طلبا منها 542 من شركات مغربية, و67 شركة ومجموعة أجنبية خصوصا مجموعات وشركات فرنسية وإسبانية وروسية وبرتغالية.

 

رئيس الوزراء المغربي إدريس جطو أكد خلال آخر اجتماع لرجال الأعمال الأسبان بالاتحاد العام لمقاولات المغرب على نية حكومته منح رجال الأعمال الإسبان فرصة في هذه العروض كمحاولة للتقرب من الرأسمال الإسباني والمحافظة على بعض الامتيازات في السوق المغربية خاصة بعد التوقيع على اتفاقيتي التبادل الحر مع كل من الولايات المتحدة الأميركية وتركيا.

 

"
مسار تحرير الاقتصاد المغربي تترتب عليه تبعات اجتماعية غير مقبولة في السياق الاقتصادي المغربي
"

تبعات اجتماعية
إلا أن مسار تحرير الاقتصاد هذا, في ماضيه أو مستقبله, تترتب عليه تبعات اجتماعية غير مقبولة في السياق الاقتصادي المغربي. وعلى الرغم من الإصرار الحكومي على هذه السياسة إلا أن التجارب المسجلة خلال السنوات العشر  المنصرمة لم تكن ذات تأثير كبير, بسبب تزامن هذه العمليات المهمة خصوصا في قطاع الاتصالات مع عمليات عجز واسعة في السياسة المالية. وهو ما أدى إلى توجيه موارد الخصخصة نحو الاستثمارات بدلا من اعتمادها لسد الثغرات المالية.

 

وسيرا على ذات النهج أعلنت وزارة المالية والخصخصة أنه تقرر الإعلان عن تخصيص قرابة 25 مؤسسة وخدمة عمومية قبل نهاية العام 2006, وهو ما يشكل أهم مشاريع الخصخصة التي يعرفها المغرب منذ بداية تنفيذ هذه السياسة.

 

ورغم أن الجدولة الحكومية قد أقرت منذ العام 2001 عددا من التدابير لتفعيل سياسة اقتصادية حرة ومحررة بهدف الاستجابة لمتطلبات التجارة الدولية وتنفيذ برامج واتفاقات تجارية مع الخارج, إلا أنه يبدو أن الأمور سارت عكس ما كان متوقعا. إذ تعطل العديد من البرامج إما بسبب غياب منافسين دوليين أو لتعطل عمليات إعادة هيكلة بعض هذه المؤسسات والخدمات.

 

"
السياسات الحكومية جعلت من الخصخصة اختيارا إستراتيجيا لا رجعة عنه
"

خيار إستراتيجي
إن هذا المعطى لوحده يكفي للإقتناع بأن السياسات الحكومية جعلت من  الخصخصة اختيارا إستراتيجيا لا رجعة عنه. إلا أن هذا الأمر لا يجب أن يحجب حقيقة كون المغرب وجد نفسه في مسلسل متسارع لخصخصة منشأته العمومية تماشيا مع التوجه العام لمتطلبات السوق العالمية. رغم أن هذه العمليات لم يكن لها أثر كبير على السياسة المالية العامة المغربية والوضعية الاجتماعية  للمغاربة.

 

وحسب قانون الأسعار والمنافسة الذي صادق عليه البرلمان في العام 2000 فإن الأجندة الحكومية الجديدة أقرت أنه يجب خصخصة جميع الخدمات قبل يوليو/تموز القادم. ولعل المؤشرات تفيد بأن سوق التأمينات هو المجال الذي  يتوفر على الضمانات لتحقيق عملية الخصخصة فإن باقي الخدمات يصعب أن تعرف ذات النتيجة, وبالتالي فإن سيناريوهات التأجيل قد تكون هي المخرج الوحيد المطروح أمام الدوائر الحكومية وذلك بالرغم من الحماسة المسجلة داخل هذه القطاعات.

 

ونجد في مقدمة الخدمات المرشحة للخصخصة, كل من خدمات الماء والكهرباء تطهير المواد الصلبة خدمات التمريض وجراحة الأسنان قطاع الصيدلة. وإذا كانت خصخصة هذه المواد والخدمات تبدو عملية متوقعة بعد المراحل التي قطعت فيها سياسة التخصيص, فإن واقع الحال يكشف أنها ذات أهمية خالصة بالنسبة لشرائح اجتماعية كبرى, أغلبها لا يتجاوز دخله اليومي دولارا واحدا أي ما يعادل عشرة دراهم.

 

نقول هذا ونحن نستحضر أن سدس المغاربة يعيشون تحت خط الفقر. وعلى هذا الأساس فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا ستقدم الحكومة لهؤلاء في حالة تنفيذ مخطط الخصخصة, والمصادقة على تنفيذ كل هذه البرامج.

 

إن السياسة الحكومية تستنجد على الدوام بالتجربة الجيدة التي تم تسجيلها مع تحرير سوق الاتصالات, وهي تجربة عادت على الحكومة بما يقرب من 4.5 مليون دولار دون أن يكون لهذا الأمر أثر يذكر على هذه الفئة من المجتمع.

_________________
مراسل الجزيرة بالمغرب

المصدر : الجزيرة