الفلاح الصيني بين نير الزراعة ونير الاضطهاد
آخر تحديث: 2006/2/7 الساعة 00:29 (مكة المكرمة) الموافق 1427/1/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2006/2/7 الساعة 00:29 (مكة المكرمة) الموافق 1427/1/9 هـ

الفلاح الصيني بين نير الزراعة ونير الاضطهاد

ضرائب الزراعة والمنتجات الزراعية هي الأقدم في الصين والأطول أمدا  (رويترز-أرشيف)
 
قررت الحكومة الصينية بعد خمسين عاما من الحكم الشيوعي لحزب العمال والفلاحين وبشكل مفاجئ إعفاء الفلاحين من دفع الضرائب التي كانت تدر على خزائن الدولة مليارين ونصف مليار دولار سنويا.
 
وفي أول مؤتمر صحفي عقده بعد توليه منصبه عام 2002  لم يخف رئيس الوزراء الصيني ون جيا باو أن أكبر ثلاثة تحديات تواجه حكومته هي الزراعة والريف وقضايا الفلاحين التي قال إنها ستكون على رأس أولويات حكومته لدخول الصين مرحلة حاسمة لتطوير زراعتها.
 
وقد فرض انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 نفسه بقوة على أولويات الصين في الصناعة والتجارة وفتح أبوابها على مصراعيها أمام المنتجات الزراعية الأجنبية ومنافستها للمنتجات المحلية.
 
المراقبون اعتبروا خطوة إلغاء الضرائب هذه بأنها تاريخية لكنها غير كافية ولا بد من إتباعها بحزمة من الإصلاحات الريفية وإجراء تغييرات سياسية وثقافية واقتصادية وفكرية أيضا أو بشكل أدق إعادة بناء الريف وتأهيله على أسس جديدة.
 
الدولة احتكرت شراء المنتوجات لتحقيق القفزة الكبرى لماو (رويترز-أرشيف)
كما دعوا إلى فتح المجال أمام الفلاحين للبحث عن عمل أينما كان وتوفير فرص عمل لهم في المدن لتخفيف العبء عن الريف الذي يسكنه ثلاثة أرباع عدد السكان، ودعم الفلاحين في تحديث أدوات إنتاجهم ودفع تعويضات مجزية لهم عند استخدام أراضيهم لإقامة المشاريع الحكومية وإنشاء الطرق، وفرض ضرائب جديدة على المؤسسات الصناعية ومناجم الفحم لتعويض المزارعين عن الأضرار التي تلحق بأراضيهم ومحاصيلهم.
 
وتعد ضرائب الزراعة والمنتجات الزراعية هي الأقدم في الصين والأطول أمدا حيث فرضت على الفلاحين منذ عام 594 ق.م. وكان على الفلاح دفعها سواء كان حصاده وافرا أو مجدبا بل حتى إن زرع أو لم يزرع. وكان عليه أيضا أن يرزح تحت وطأة الإتاوات لتوفير الحبوب والغذاء للبلاط الإمبراطوري دون مقابل.
 
عبء كبير لضرائب أنهكت ظهر الفلاح الصيني أكثر من ثلاثة آلاف عام واستمرت طوال عهد الاستعمار الأجنبي وازدادت شراسة مع عهد الإقطاع، لكنها لم تنل من صبره أو تفت من عضده.
 
ولم تتوقف مع تأسيس الجمهورية عام 1949 عندما لاح بريق أمل أمام الفلاح للتخلص من نير العبودية والذل فسارع للانخراط في صفوف الثورة وكان وقودها والعامل الأهم الذي اكتشفه زعيمها ماو تسي تونغ وجعله نواة حزبه وحسم المعركة لصالحه بعد أن وزع الأرض على الفلاحين وتبنى إستراتيجيته المعروفة "محاصرة المدن بالقرى".
 
ولكن ذلك لم يدم طويلا فزعيم  دولة حزب العمال والفلاحين ماو قرر أن يطير بها بما عرف "القفزة الكبرى إلى الأمام" ويخوض غمار ثورة التصنيع ولم يكن أمامه سوى الفلاحين لتمويل ثورته الصناعية تلك عن طريق تأميم الأراضي واحتكار الدولة شراء وتسويق المنتجات الزراعية كالحبوب والقطن حيث بلغت مساهمة الفلاحين في التصنيع بين عامي 1953 و1983 ما قيمته ثمانين مليار دولار شكلت أربعين في المائة من إيرادات الدولة وفق الإحصاءات الرسمية.
 
الفلاحون هاجروا إلى المدن لحياة أفضل
سياسية الإصلاح

ومع حلول عام 1987  وتبني الصين ما عرف بسياسة الإصلاح والانفتاح كانت الزراعة هي موضوع الوثيقة رقم واحد الصادرة عن الحكومة ولكن بعد الشروع في تلك السياسة بشكل عملي مالت كفة الاهتمام نحو المدن وكان على الفلاح الصيني أن يضحي مرة أخرى من أجل "ازدهار الوطن وإنجاح التجربة".
 
الطفرة الاقتصادية التي عمت الصين والمحافظة على أسرع اقتصاديات العالم نموا بنسبة تجاوزت 9% خلال العقدين الأخيرين أدى إلى إفرازات اقتصادية واجتماعية هائلة على بلد بحجم قارة مثل الصين تعيل خمس سكان العالم بمساحة زراعية لا تتجاوز 7% من الأراضي الزراعية في العالم ويشكل فلاحوها ثلث فلاحي المعمورة.
 
ومع تنامي ظاهرة الهجرة الداخلية فرضت قيود وإجراءات على المهاجرين تفوق ما يتعرض له المهاجرين أو طالبي اللجوء السياسي إلى أوروبا، وجرت عمليات استغلال بشعة لهذه الأيدي العاملة الرخيصة وحرمت من أبسط الحقوق الإنسانية خاصة في مجالي الصحة والتعليم ومن عدم دفع أجورهم وحجز لوثائقهم الشخصية.
 
وأدى هذا الوضع إلى ترك أكثر من مائة وخمسين مليون فلاح صيني لقراهم والهجرة إلى المدن هربا من زراعة الفقر. وسعيا للبحث عن فرص عمل أفضل، أما البعض الآخر فبدأ يرفع صوته وقبضته في وجه واقع مزرٍ وضد فساد مستشر فاندلعت المظاهرات في العديد من المدن والقرى الصينية وازداد العنف مما بات يهدد الاستقرار الاجتماعي برمته وينذر بعواقب وخيمة.
المصدر : الجزيرة