دمشق-الجزيرة نت
 
لم يفاجئ لقاء نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام مع المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا علي صدر الدين البيانوني في بروكسل قبل أيام أحدا من المراقبين أو المهتمين بالشأن السوري.
 
فسلسلة التصريحات التي أطلقها خدام منذ الإعلان عن انشقاقه عن النظام يوم 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي تضمنت إعلانا صريحا بالعمل مع كافة قوى المعارضة من أجل "تغيير النظام" بل ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله إن النظام "لن يستمر إلى نهاية العام الحالي جراء أخطائه وضعفه".
 
وبدا واضحا أن خدام هو الذي كان ينتظر مواقف قوى المعارضة من التعاون معه وليس العكس باعتباره كان وحتى فترة قريبة أحد أعمدة السلطة وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود متتالية.
 
وعلى هذا الأساس تراوحت المواقف منه بين الترحيب بانشقاقه وانضمامه إلى المعارضة نظرا لما كان يمثله في السلطة سابقا شرط اعتذاره عن "الجرائم" التي ارتكبها النظام قبل ضمه للمعارضة، وبين الحذر منه بسبب تاريخه السياسي الطويل في حكم سوريا والاتهامات التي توجه لأبنائه باستغلال موقع والدهم وجني ثروات هائلة  وبـ"دفن النفايات النووية" كما يتداول عامة السوريين.
 
بل إن البعض وجه انتقادا حادا للسلطة لعدم مساءلته عندما كان على رأس عمله، والانتظار إلى انشقاقه كي يطالب أعضاء مجلس الشعب في جلسته الشهيرة في اليوم الأخير من العام الماضي بمحاسبته وكشف جملة كبيرة من الفضائح كان كثير من السوريين يتداولونها سرا خوفا منه عندما كان في موقعه.
 
الطرف المقابل البيانوني، الذي سبق وأعلن مرات أنه يرحب بعودة خدام إذا اعتذر عن "ماضيه"، بدا أنه تلقى أكثر مما توقع من القادم الجديد.
 
إذ سبق لقاء خدام للبيانوني بإجرائه عشرات اللقاءات والمؤتمرات الصحفية التي تضمنت طروحات تتفوق، إن لم تكن توازي ما يطرحه الإخوان المسلمون خاصة في "المشروع" الذي حمله خدام معه إلى بروكسل حيث التقى البيانوني.
 
مشروع خدام
"
خدام عرض على البيانوني مشروع إقامة نظام ديمقراطي يضمن الحريات وتداول السلطة وتشكيل حكومة انتقالية تقوم على إلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين
"
وقد عرض خدام على البيانوني المشروع المتمحور حول "إقامة نظام ديمقراطي يضمن الحريات وتداول السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية تقوم على إلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإصدار قانون للأحزاب وقانون حرية الإعلام وقانون للانتخابات وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية، والركيزة الثانية هي انتخاب رئيس جديد ووضع دستور جديد".
 
مشروع خدام لا يبتعد كثيرا عن الإعلان الذي أطلقه عدد كبير من الأحزاب المحظورة والشخصيات السياسية المعارضة في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي تحت اسم "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي".
 
مع فارق مهم هو أن تلك القوى كانت محسوبة منذ عقود على المعارضة وأطلقت برنامجها وهي تعيش في دمشق خلافا لخدام الذي كان هو ذاته مصنفا على التيار المتشدد داخل حزب البعث وله مواقف في التضييق على ما سمي في حينه جماعات "ربيع دمشق".
 
كما أن النخب السورية لا تنسى تحذير خدام  خلال محاضرة له على مدرج جامعة دمشق في فبراير/شباط 2001 من "الجزأرة"، في إشارة إلى ما كان يجري في الجزائر من اضطرابات في حال التسامح والتساهل مع دعاة المجتمع المدني الذين وجدوا في وصول الرئيس بشار الأسد للسلطة أملا في تحقيق إصلاح شامل يطال الحياة السياسية بالدرجة الأولى.
 
نظرة الشارع
بهذا المعنى لا يحمل لقاء خدام- البيانوني والمعارضة السورية عموما أي قيمة في الشارع السوري المشغول بهموم معيشية بالدرجة الأولى بعد موجة الغلاء التي فشلت الحكومة بالسيطرة عليها وقلق من الضغوط الدولية والأميركية والفرنسية خصوصا.
 
"
دمشق تدرك أن خطورة خدام ليست بالتلاقي مع الإخوان المسلمين أو أحزاب المعارضة الأخرى
بل بما يمتلكه الرجل من أسرار للدولة "
وربما يحمل ذلك اللقاء قيمة رمزية واستفزازية للسلطة التي أعلنت عن انزعاجها في جلسة مجلس الشعب المذكورة  التي تحولت إلى جلسة ردح وهجاء لخدام "الفاسد والسارق والخائن" وصولا إلى قرار قيادة "البعث القومية" طرده من الحزب بسبب "خيانته".
 
ويرى كثير من السوريين أن الأخطر كان وجهه خدام لدمشق عندما اتهم السلطة  بالوقوف وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ثم الإعلان عن لقائه مع رئيس لجنة التحقيق الدولية السابق ديتليف ميليس ووضعه بكل ما يعرف عن لقاء الرئيس الأسد بالحريري.
 
لذلك يبدو أن دمشق تدرك أن خطورة خدام ليست بالتلاقي مع الإخوان المسلمين -الذين لا يمتلكون فعليا أي تواجد علني في سوريا منذ المواجهات الدامية بين التنظيم والسلطة مطلع الثمانينات- ولا مع أحزاب المعارضة الأخرى التي لا يعرفها عامة السوريين سوى من بياناتها المنشورة في الصحف العربية ومن إطلالات بعض شخصياتها على الفضائيات العربية.
 
بل الخطورة بما يمتلكه الرجل من أسرار للدولة بعدما بقي في منصبي وزير الخارجية ثم نائب للرئيس بين عامي 1971 و2005 مع احتفاظه بعضوية القيادتين القطرية والقومية للحزب.
 
فضلا عن أن السلطة السورية تحضر لخطوات إصلاح سياسية كبيرة بالمقياس السوري جرى الحديث عنها في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الصيف الماضي، أهمها إصدار قانون الأحزاب المتوقع صدوره قبل نهاية فبراير/شباط  الجاري ومنح الجنسية لنحو 300 ألف كردي وإصدار قانوني لانتخابات مجلس الشعب والإدارة المحلية، وهي من مطالب المعارضة الأساسية.

المصدر : الجزيرة