المشاركون بحثوا تجربتي البوسنة وغواتيمالا بعد 10 سنوات من السلام (الجزيرة نت)
تامر أبو العينين – برن

عقدت منظمة السلام السويسري مؤتمرها السنوي وخصصته للمقارنة بين تجربتي البوسنة والهرسك وغواتيمالا في التعامل مع ماضيهما المرير من الحروب.

وقد ناقش المشاركون دراسة أعدها مجموعة من الخبراء من كلا البلدين وآخرين من مراكز دراسات محايدة، تحت عنوان "التعامل مع الماضي" تتناول عددا من القضايا الرئيسية المستمدة من واقع تجربة البلدين في إطار التعامل مع الماضي.

ويقول البروفيسور لوارنت غوتشل مدير منظمة السلام السويسري للجزيرة نت إن طريقة "التعامل مع الماضي" تعتبر أداة لتعزيز المعايير الاجتماعية الجديدة في مجالات العدالة وأسلوب الحكم الناجح واحترام حقوق الإنسان، لكن التجربة العملية توضح أن هناك تحديات كثيرة تواجه تطبيق القانون الدولي، رغم سعي مختلف الأطراف إلى البحث عن "الحقيقة" ومعالجة الذاكرة التاريخية والمساهمة في عملية التحول الديمقراطي في مجتمعات ما بعد الحرب.

وقد تركزت مداخلات المشاركين من الخبراء على كيفية مكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب، وإمكانيات الحوار بين الخصوم السياسيين؛ إذ تقول الدراسة إن 93% من الحروب التي شهدها العالم خلال الـ50 سنة الماضية، كانت داخل دول تعيش فيها أعراق مختلفة وأتباع مذاهب دينية متعددة، وتفرض مرحلة ما بعد الحرب أن يتعايش الجميع في أجواء من المفترض أنها سلمية.

جناة وضحايا
من ناحيته حدد الدبلوماسي السويسري بليكر ماسارد في مقدمة تلك الدراسة ما وصفه بثقل الماضي المرتبط بالقمع والعنف والإبادة الجماعية، وأكد أنها ممارسات تركت بصماتها على كل عمليات الانتقال من الدكتاتوريات القمعية إلى حكومات تسعى لتتحول إلى ديمقراطية، بما في ذلك أيضا ما تركته من آثار نفسية واجتماعية، منددا بعدم استفادة المجتمع الدولي من دروس وعبر الماضي.

وقد حدد الخبراء المشاركون في المؤتمر آليات التعامل مع الماضي من واقع تجربتي البوسنة والهرسك وغواتيمالا، في أنها يجب أن تتضمن معاقبة الجناة وهذا لا يتم إلا من خلال دعم المجتمع الدولي، لأن مجتمعات ما بعد الحروب تعيش حالة من التوتر وعدم الاستقرار، لا تحتاج فيها فقط إلى المساعدات المالية بل أيضا إلى الدعم المعنوي، حتى لا يشعر من ضاع حقه أن لغة القوة هي التي انتصرت، ويبقى الحقد والضغينة والرغبة في الانتقام كامنة في الصدور، تنفجر لأي سبب كان.

واتفقت أغلبية الأطراف المشاركة في المؤتمر على أن البوسنة وغواتيمالا لم تحصلا على الاستقرار اللازم رغم مرور 10 سنوات على انتهاء الحرب فيهما.

تبعات الحرب

"
الدراسة خلصت إلى أن الطريق الأمثل لحل المشاكل الناجمة عن تبعات الحروب، هو التوازن بين إعادة بناء الدولة المنهارة وتعزيز آليات القانون الذي يفرض النظام ومحاسبة الجاني وإعطاء الضحية حقها
"
ويشدد الباحثون على أن بطء التعامل مع مجتمعات ما بعد الحرب بالأسلوب الصحيح، يخلق طبقة رمادية تستفيد من الفراغ الأمني والسياسي فتكون رقعة خصبة لأنشطة عصابات الجريمة المنظمة، لتعاني تلك البلدان من مشكلات إضافية لها أبعاد بعيدة المدى.

وقد انتقدت الباحثة الألمانية مارتينا فيشر تعامل الاتحاد الأوروبي مع البوسنة والهرسك أثناء الحرب وبعدها، وقالت للجزيرة نت إن الاتحاد الأوروبي يستطيع دعم البوسنيين بشكل أفضل، وذلك من خلال مشروعات تعليمية على مستويات مختلفة، لتعطى الأجيال الجديدة الثقة بالنفس، بدلا من التعامل معهم وكأنهم دائما في حالة هجرة أو بحث دائم عن المال.

وتخلص الدراسة إلى أن الطريق الأمثل لحل المشاكل الناجمة عن تبعات الحروب، هو التوازن بين إعادة بناء الدولة المنهارة وتعزيز آليات القانون الذي يفرض النظام ومحاسبة الجاني وإعطاء الضحية حقها.

ويرى مراقبون أن كل هذه الحلول هي مجرد نظريات، تفتقر إلى القرار السياسي الدولي لتطبيقها ليس في البوسنة وغواتيمالا فحسب، بل في مختلف بؤر الصراعات التي ما تكاد تهدأ في واحدة حتى تنفجر في أخرى في دوامة لا تنتهي.

المصدر : الجزيرة