كتابات حائطية في الجزائر تظهر تزاوج العربية والفرنسية (الجزيرة نت-أرشيف)
 
خولة طالب الإبراهيمي مختصة بعلم اللغة وصوت نادر يطرح مشكل الجزائر اللغوي بدون التشنج الذي يميز نقاشات وضع اللغات بالجزائر. أبرز مؤلفاتها "الجزائريون ولغاتهم".

 

بعد التصويت بفرنسا على قانون 23 فبراير 2005 الممجد للاستعمار، طالبت قوى سياسية جزائرية، خصوصا الإسلامية بالرد بتطبيق "قانون تعميم اللغة العربية" المعلق. ما تأويلكم للمطلب بهذا الظرف؟
 
قانون التعريب جمد مرات, وعودته للنقاش في 1998 تزامن واضطرابات كبيرة بمنطقة القبائل الناطقة بالأمازيغية عقب اغتيال المغني معطوب الوناس, وإلغاءه كان مطلبا للمتظاهرين. أذكر بهذا لأن كل ما يتعلق باللغات بالجزائر غير مبني على إجماع. هناك دائما طرف يقف ضد مبادرة طرف أخر هدفها تأهيل لغة معينة دون غيرها. "قانون تعميم اللغة الوطنية" قدم مرات للبرلمان بالثمانينيات وسحب في كل مرة قبل التصويت. بأواخر أيام الحزب الواحد في 1991، حاول المجلس –الذي لم يكن ممثل فيه إلا جبهة التحرير– تمريره لكن الاضطرابات السياسية منعته. وجمده الرئيس بوضياف بحجة أنه ليس أولوية وطنية. وراوحت الأمور مكانها حتى سنّه اليمين زروال في 1998. رغم ذلك فهو غير مطبق لحد الآن.

الإبراهيمي: لو حُسمت قضايا الجزائر بالإجماع لما شكل قانون التعريب مشكلة (الجزيرة نت)
القانون ساندته أطراف حاملة للمطلب "العروبي" كانت بأحيان كثيرة على صلة بـ "التيار الوطني الإسلامي" الموجود خصوصا بجبهة التحرير, والذي  أفرقه عن "التيار الاسلاموي"، الذي يدافع عن المطلب نفسه لكن يبرره بشكل مختلف.
هذه الأطراف دعت دوما لاستكمال التعريب وكانت وراء كل ما أنجز بالسبعينيات والثمانينيات, لكن جوبهت دوما بمعارضة شديدة من أطراف أخرى. معلنة على يد التيار المدعو بـ"التيار البربري" الذي يرى "إعادة الاعتبار للغات الأم" (خصوصا الأمازيغية) أولوية تسبق التعريب. وغير معلنة على يد طرف فرانكفوني يسميه خصومه تهكما بـ"حزب فرنسا", ومتكون أساسا من الإدارة الجزائرية "المفرنسة" لكونها وريثة الإدارة الاستعمارية. فعند الاستقلال كان أغلب من يجيد القراءة والكتابة -وهم قلة- يجيدهما بالفرنسية. هؤلاء المتعلمون شكلوا العمود الفقري للإدارة بعد الاستقلال.
 
أيمكن القول إن الإدارة تقف حجر عثرة بطريق التعريب؟
الإدارة حزب الجزائر الأول وهو يعرقل التعريب الذي يعارض مصالحه لأنه بالغالب مفرنس. بالإضافة إلى "الحزب الإداري" هناك مجموعة مثقفين مفرنسين يسمون بالفرانكفونيين, وهم بالحقيقة منقسمون، منهم ككاتب ياسين من يعتبر الفرنسية "غنيمة حرب" يجب الاعتراف بوجودها بالفضاء الثقافي الجزائري كالعربية والأمازيغية، ومنهم من يناهضها صراحة وهم قلة قليلة.
 
كيف تصفين حال العربية بالجزائر من وجهة نظر علم الاجتماع اللغوي؟
يمكن وصفها من زوايا مختلفة. على صعيد المجتمع, ليست هناك عقدة تجاه اللغات المستعملة. الناس تستعمل ما تراه مناسبا لوضعية الاتصال. العربية اليوم عبر المدرسة ووسائل الإعلام موجودة بقوة بقطاعات عديدة: الأولاد بكرة القدم، يستعملون كلمات فصيحة كـ"ركنية" و"هدف" تعلموها من وسائل الإعلام. لا يجب نسيان تأثير القنوات العربية. بالأكشاك والمقاهي نرى الناس يشاهدون الجزيرة لا القنوات الناطقة بالفرنسية. لا مراء بأن "اللغة العربية النمطية" التي تجمعنا من المحيط إلى الخليج, موجودة بواقع الجزائر ومفهومة.
 
لما ننظر إلى العربية من زاوية تعميم استعمالها بالحياة اليومية تختلف الأمور نسبيا لعدم تطبيق قانون 1998 الذي يقضي بأن كل ما يكتب على جدراننا يكتب بالحرف العربي. لكنك لو تجولت بشوارع العاصمة ومدن أخرى لرأيت أن الحرف اللاتيني غالب إلا ببعض الأحياء الشعبية حيث يغلب الحرف العربي مما لا يمنع طبعا وجود الحرف اللاتيني.
 
أيعني هذا وجود تقسيم اجتماعي وراء التقسيم اللغوي للمكان بالمدن الكبرى؟
طبعا. استنتجت ذلك بالسبعينيات لما كنت أتحرى الوضعية اللغوية بالمدارس الإكمالية التي كانت مقسمة لأقسام معربة وأخرى "مزدوجة اللغة" أي مفرنسة. وتوضح من الاستبيانات أن أغلب ذوي المستويات الاجتماعية الراقية من التلاميذ كانوا بأقسام مفرنسة وكان ذوو المستويات الفقيرة بالأقسام المعربة.
حتى بالأحياء الشعبية يدرس أبناء أفقر الأسر بالأقسام المعربة أما الأيسر حالا فيدرسون بالأقسام المفرنسة. التقسيم الاجتماعي اللغوي استمر لحد الساعة, فلكل موقع اجتماعي واقتصادي بالمجتمع الجزائري بعده اللغوي والثقافي.
 
تكلمتم عن وضعية اللغة العربية بالمجتمع. ماذا عنها كلغة بالمؤسسات الرسمية؟
بالقطاع المالي والاقتصادي مثلا العربية منعدمة الاستعمال. بالثمانينيات كنا نقرأ بقسائم تأمين السيارات "يستحسن استعمال اللغة العربية". المدهش أن مندوبي التأمينيات كانوا ينتقلون من العربية العامية إلى الفرنسية حالما يتعلق الأمر بالحديث بنوع التأمين، ونوع الأخطار المغطاة، الخ.
 
لنتكلم أيضا عن إدارات وزارة الداخلية. العربية حقا لغة عمل البلديات، لكن الفرنسية لغة العمل الحقيقي بإدارات الوزارة, وما زالت بالعديد من "قطاعات السيادة" يفترض أن العمل عرب بها كليا كالتربية والتعليم العالي والقطاع العسكري الذي يزاوج بصمت بين العربية كلغة واجهة والفرنسية والإنجليزية للتسيير العسكري.
 
بالتعليم العالي ويفترض به أنه "قطاع سيادة" كم مرة تلقينا مرسومات مكتوبة بعربية غير مفهومة أصلا لأنها ترجمة لنصوص كتبت بالفرنسية. والحال نفسه بقطاع التربية.
 
ماذا عن حالة العربية بقطاع التربية والتعليم؟
التعليم العام الابتدائي والإكمالي والثانوي معرب تماما بكل أطواره منذ 1989. العربية لغة تدريس كل المواد. أما الفرنسية فتحظى بدور اللغة الأجنبية الأولى وإن كان وضعا غير مقنن. بالنسبة للتعليم العالي، الأمر مختلف, فشعب العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية معربة تماما, لكن الفرنسية تسود بالشعب العلمية والتكنولوجية حتى لو كانت رسميا معربة. أقصد أن التعليم الفعلي (الدروس والتمارين) غالبا بالفرنسية رغم كون الطلبة يأتون من التعليم الثانوي المعرب تماما, ما يفسر التسرب الكبير بالكليات العلمية. بجامعة باب الزوار، يمضي بعض الطلبة عقدا لإنهاء مشوار دراسي من خمس سنوات. كثير منهم لا يحسن الفرنسية ما يفسر نسبة الفشل الدراسي بالسنة الأولى.
 
"
يجب أن ننظر لللغة العربية بالجزائر كلغة حية ونخرجها من النطاق الضيق الذي حوصرت به كلغة دين وأدب قديم
"
عندما نقرأ "قانون تعميم اللغة الوطنية" نجده يرمي لفرض استعمال العربية بمجمل القطاعات بتغريم كل جهة لا تحترم بنوده. أتساعد حقا قوانين الجبر هذه بحل مشكل الجزائر اللغوي؟
لو حسم المجتمع الجزائري بالإجماع كل قضاياه المصيرية لما طرح هذا القانون مشكلا. منطقة الكيباك سنت قانونا شديد الشبه لحماية الفرنسية من خطر الغزو الأنجلوفوني، الكندي والأميركي. الجزائر لم تحسم ديمقراطيا قضايا اللغة والهوية ما يجعل قانونا كقانون تعميم العربية مشكلا حقيقيا.
 
لو تم الربط منذ الاستقلال بين ترقية العربية وإعطائها الأولوية من جهة, والاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغية من جهة أخرى ولو رقيت العربية وأعطيت الفرنسية بآن واحد وضعا قانونيا خاصا يحتمه تاريخ الجزائر الثقافي لما تعقد الجدال اللغوي بهذا القدر. مشكلة قانون تعميم العربية أنه لا يهدف فقط لتوطيد وضعها بل أيضا لتحجيم لغات أخرى كالفرنسية والأمازيغية. ما أريد قوله إنه بغياب الشروط السياسية اللازمة لحسم المسألة ديمقراطيا فإن قانون تعميم اللغة الوطنية مآله الفشل وهو ما حصل. أتدري أن الجريدة الرسمية الجزائرية تكتب بالفرنسية وتترجم للعربية؟
 
ما تفسيركم لاستمرار الفرنسية بهذه الصورة بعد 44 عاما من الاستقلال؟
علم الاجتماع اللغوي ينطلق من الواقع. الفرنسية موجودة بالجزائر وإن اختلفت درجة استعمالها من منطقة لأخرى, موجودة على جدران المدن ولافتات المحلات وبحديث الناس وبسلك التعليم ووسائل الإعلام. الجرائد الناطقة بالفرنسية يقرأها مئات الآلاف. إنها نتاج تاريخ سياسي وثقافي بالغ التعقيد.
 
تزعم أطراف أن إعطاء الأولوية للفرنسية سيخرج الجزائر من التخلف, لكنني متيقنة أن ذلك لن يكون سوى بدعم العربية وتطوير أساليب تدريسها وترقية الإنتاج العلمي بها. يجب أن ننظر لها بالجزائر كلغة حية ونخرجها من نطاق ضيق حوصرت به كلغة دين وأدب قديم. الهالة المقدسة التي يحيطها بها البعض تمنعها من منافسة الفرنسية منافسة حقيقية تكسبها مواقع بالمجتمع والهيئات الرسمية. هذا يتطلب من الجهات الرسمية اهتماما أكبر, فإنشاء أكاديمية اللغة العربية في 1986 ومجلس اللغة العربية الأعلى لم يعد كافيا, وحصيلة عمل المؤسستين لا تفي باحتياجات هذه اللغة الكثيرة، خصوصا أن مسألة ترقيتها بالجزائر مسألة عربية وليست جزائرية صرفا. لسوء الحظ فالتنسيق بمجال إحياء العربية وتحديثها يتأثر بالعلاقات السياسية المتذبذبة بين الدول العربية.
 
إذا كان الحفاظ على الفرنسية محببا فبأي صورة يمكن تقنين وجودها؟
يمكن مثلا أن نعترف رسميا بأن الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى وبالتالي فمكانتها بالمجتمع مختلفة عن مكانة لغات أخرى كالإنجليزية أو الإسبانية, لكن هذا يتطلب تطبيق سياسة لغوية عقلانية، بدعم تام للعربية والأمازيغية لتطويرهما وتوسيع استعمالهما, فهما اللغتان الوطنيتان وإن كانت العربية طبعا لغة جامعة للكل.
 
ما رأيكم باقتراح البعض تقنين الفرنسية لغة تدريس بالكليات العلمية، أي مشرعة أمر واقع لتمكين التعليم العلمي من توفير وسائل علمية ووثائقية أكبر؟
لو حصل ذلك فسيثبت على الأقل خروجنا من خطاب مزدوج منافق. العربية لغة التدريس الرسمية بكليات علمية كثيرة, لكن الفرنسية لغة التدريس الفعلية. الطلبة لا يجدون كتبا كثيرة بالعربية, لكنهم لا يجدون أيضا كتبا مختصة كثيرة بالفرنسية لأنها ليست لغة التدريس الرسمية.
 
يجب أن يكون للدولة تصور واضح لسياستها التعليمية بأن تقول بأن العربية هي اللغة القاعدية. يجب أن تدعم الأمازيغية. وبما أن الفرنسية موجودة بفضاءنا اللغوي، سيكون أقل تكلفة إعطاؤها الأولوية بالنسبة للغات أجنبية أخرى بميادين التكوين والتسيير المالي والاقتصادي, دون إهمال الإنجليزية ولغات غربية وشرقية أخرى. نحن ننتمي لمجال جيوسياسي مسلم لكننا لا ندرس لا التركية ولا الفارسية وهذا غير معقول.
 
ما رأيكم بمطلب نخب بانضمام الجزائر للمنظمة العالمية للفرانكفونية؟
هذه القضية حساسة لطرحها مشكلة أعم هي علاقاتنا المعقدة بفرنسا وماضيها الاستعماري. تدعو أصوات لانضمام الجزائر للفضاء الفرانكفوني إذا أرادت حل مشاكلها, وتعارضها أصوات التيار العروبي والإسلامي التي تذكر بأن استرجاع السيادة يستكمل باسترجاع السيادة اللغوية والثقافية وأن الانضمام لمنظمة الفرانكفونية انسلاخ من العالم العربي والإسلامي.
 
"
الجزائر لم تحسم مشاكلها اللغوية بإجماع ما يجعل فكرة الانضمام إلى منظمة الدول الفرانكفونية إشكالية مهما كان المحتوى المقدمة به
"
الواقع يؤكد أن الجزائر ثاني بلد فرانكفوني بعد فرنسا من حيث انتشار واستعمال الفرنسية. القضية سياسية وليست فقط لغوية. الجزائر لم تحسم مشاكلها اللغوية بإجماع ما يجعل فكرة الانضمام إشكالية مهما كان المحتوى المقدمة به. أنا لا أعتقد شخصيا أن حل مشاكل الجزائر يتأتى بفرنستها مجددا لغويا. أنا واثقة بأن الخروج من التخلف لن يكون بغير اللغتين العربية والأمازيغية، لغتي البلاد الوطنيتين.
 
الأمازيغية لغة وطنية منذ 2002. ماذا جرى منذ تلك الفترة؟
الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية إلى جانب العربية لغة وطنية ورسمية كان فقط تأكيدا لواقع. المشكلة أن الفضاء اللغوي الأمازيغي غير موحد. لنعلم لغة على مستوى قطر يجب أن نوفر معيارا لسانيا ونحويا على الأقل يجمع عليه الناطقون بها. هناك معيار لساني يجمع كل الأقطار العربية يصطلح على تسميته بـ"اللغة الفصحى". لا توجد بعد لغة مشتركة بين كل الناطقين بالأمازيغية. أية أمازيغية ندرس؟ أمازيغية القبائل أم الأوراس أم أمازيغية منطقة أخرى؟ وحتى إذا عزمنا على توحيد لهجاتها يجب ألا ننسى أن عدد الناطقين بها بالمغرب أكثر منهم بالجزائر ولهم ما يقولون.
 
حسب نقاشاتي مع أهل الاختصاص فإن الأجدر بحث حلول آنية بكل منطقة ناطقة بالأمازيغية لاختلاف مستوى تقدم العمل العلمي بمجال هذه اللغة من منطقة لأخرى, لكن بنفس الوقت، يجب النظر للأمازيغية كلغة مشتركة بين كثير من بلدان المغرب والعمل على تطويرها وتوحيدها بإطار إقليمي هو الإطار المغاربي.

المصدر : الجزيرة