عبد الله الحوارني للجزيرة نت: الوضع الفلسطيني وصل إلى ذروة التعقيدات (الجزيرة نت)

حاوره أحمد فياض-غزة

في ظل تأزم الخلافات الفلسطينية وتعثر المشاورات وحالة الاحتقان والفوضى التي تسود أراضي السلطة، وتعثر المبادرات والوساطات بشأن تحقيق التوافق الفلسطيني للخروج من الأزمة السياسية التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني على الصعيدين الداخلي والخارجي، التقت الجزيرة نت، المفكر والسياسي الفلسطيني والعضو السابق للجنة التنفيذية في منظمة التحرير الأستاذ عبد الله الحوارني، الذي أمضي أكثر من نصف قرن من حياته في العمل السياسي الوطني. وباعتباره شاهدا ومعاصرا لكافة مراحل وتفاصيل القضية الفلسطينية كان معه الحوار التالي:

كيف تنظرون إلى الوضع الفلسطيني في ضوء تعثر المشاورات بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي دعت إليها كافة الأطراف الفلسطينية؟

ما من شك بأن الوضع الفلسطيني قد وصل إلى ذروة التعقيدات وذروة المشاكل، وها نحن نرى على الصعيد الداخلي حجم المشاكل المتعلقة بالخلافات والصراعات وتردي الاقتصاد وفقدان الأمن، مما بات يهدد حياة الناس إلى درجة سادت فيها الفرقة داخل المجتمع الفلسطيني.

وعلى الصعيد الخارجي نحن نلاحظ حجم الضغوط السياسية والاقتصادية على الشعب الفلسطيني، إضافة إلى العدوان الإسرائيلي الذي يتزايد يوميا والذي يستغل الحالة الفلسطينية القائمة ليزيد من عدوانه، لانشغال الشعب الفلسطيني بصراعاته الداخلية.

كما أن الإدارة الأميركية لا تبذل أي مجهود لمساعدة الشعب الفلسطيني، وها نحن نرى كم سنة مر على الوعد أو الوهم الذي أطلقه بوش بشأن إقامة دولة فلسطينية، وللأسف الشديد فإن القيادة السياسية الفلسطينية وقعت في هذا الوهم وباتت تبني عليه.

إضافة إلى كل ذلك فإن الوضع العربي باتت رؤيته للقضية الفلسطينية قاصرة وتجرد موقفه السياسي تماما من عملية الدعم، وانتفت القضية الفلسطينية من ذهنه كقضية قومية.

فالمبادرة التي أطلقها العرب عام 2002 وأصبحت قرارا من قرارات القمة العربية والتي يجري التركيز عليها الآن، لاعتمادها كأساس للحل، هذه المبادرة مضى عليها الآن أكثر من ست سنوات وقبل أن تأتي حكومة حماس إلى السلطة، ولم تشكل هذه المبادرة أكثر من مجرد إعلان أطلق في الهواء ولم تتخذ أي خطوة لتنفيذها، وكانت بمثابة مجرد إبراء ذمة من جانب العرب.

وإذا سلمنا أن هذه المبادرة فيها بعض الأمل للفلسطينيين فإن العرب لم يضعوا أي آلية لتنفيذ هذه المبادرة، ولم يتحركوا أي تحرك، ولم يشكلوا أي لجنة ولم يتحركوا على المستوى الدولي، ولم يطالبوا إسرائيل بالقبول بها، ولم يتخذوا أي إجراء ضد إسرائيل للضغط عليها من أجل قبول هذه المبادرة.

وإضافة إلى كل هذه العوامل فإن حال المقاومة الفلسطينية تدنى وباتت المقاومة لدينا ليست أكثر من حالة مظهرية، استعراضية، بوقيه وخطابية، نحن مضى علينا أشهر لم نوقع إصابة ولو واحدة في الجانب الإسرائيلي.

"
برنامج حماس هو برنامج وطني وبرنامج مبدئي يستقطب جماهير، ولكن ليس لهذا السبب فقط فازت حماس، وإنما السبب الرئيسي ليس حبا في علي وإنما كرها في معاوية
"
في ظل هذا التشخيص الذي أشرت إليه في مقدمة حديثك من هو المسؤول في الساحة الفلسطينية عن إيصال الفلسطينيين إلى هذه الحالة؟

أقول لك بالتأكيد أن مأساتنا السياسية بدأت بأوسلو، عندما أصبح سقفنا الأعلى في مطالبنا الوطنية هو اتفاقات أوسلو.

معنى ذلك أننا نحن خفضنا من سقفنا كثيرا، وتنازلنا عن الكثير من القضايا، وحددنا نمطا واحدا فقط لحركتنا السياسية وهو العمل السياسي واستثنينا المقاومة هذا فضلا عن أن القيادة الفلسطينية كانت سعيدة جدا باعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير.

ولكن إسرائيل لم تعترف لا بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ولم تعترف بدولة الشعب الفلسطيني، ولم تعترف بحق عودة الشعب الفلسطيني، ولم تعترف بأن غزة والضفة هي أراض فلسطينية محتلة، ومقابل ذلك اعترفنا ليس فقط بدولة إسرائيل، إنما اعترفنا بحق إسرائيل في الوجود.

ثم إن عملية البناء الداخلي بعد أن قامت السلطة، ولنفرض لم يكن هناك خيارات أخرى أمام قيادة المنظمة غير هذا الاتفاق، لكن للأسف الشديد أيضا أنه فضلا عن أن الاحتلال زاد من ضغوطه ليتنصل من كل شيء، وليفرض على قيادة السلطة شروطا جديدة حتى لا يقدم تنازلات، فإن السلطة لم تبن مؤسسات ذات كفاءة وعم الفساد أرجاءها، وهذا ما ساعد حركة حماس على النجاح في الانتخابات، على الرغم من أن برنامج حماس هو برنامج وطني وبرنامج مبدئي يستقطب جماهير، ولكن ليس لهذا السبب فقط فازت حماس، وإنما السبب الرئيسي ليس حبا في علي وإنما كرها في معاوية.

كما كان للتعددية الفصائلية والتشتت والتفريخات تحت بند المقاومة وتحت سلاح المقاومة، وتشكل العديد من المجموعات المسلحة التي تسمى نفسها فصائل مقاومة جانبا آخر في المسؤولية عن تردي الوضع الفلسطيني.

هل كنتم تتوقعون أن تصل الحالة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه الآن؟

كنت أتوقع أن نصل إلى هذا الحال الذي وصلنا إليه من ضغط وإرهاب بمجرد أن نجحت حركة حماس في الانتخابات، وهذا ما توقعته وقلته لإخواني في حركة حماس، فعندما زارني الأخ إسماعيل هنية في هذا المكان وعلى هذا المقعد الذي أجلس عليه حينما كان يتشاور حول تشكيل حكومة ليسمع وجهة نظري، فنصحته وقلت له يا أخ أبو العبد رأيي مخلصا وصادقا لا تشكلوا الحكومة، لأنه إذا شكلتم الحكومة ستضعون أنفسكم في موضع من الضغط الدولي والخارجي مما يرهقكم ويدمر حياتنا الداخلية.

وقلت لهم إن الإدارة الأميركية وإسرائيل منذ نجحتم وضعت في حسابها أن تحول نجاكم إلى مصيدة تصطادكم من أجل تحقيق أحد هدفين: إما أن تروضكم وتقبلوا بشروطها، وإذا رفضتم الترويض فستجد الإدارة الأميركية وإسرائيل كل المبررات والذرائع لتنفض يدها ولا تقدم شيئا، وتزيد الكارثة.

ونصحت الأخوة في حركة حماس بأن يبقوا في المجلس التشريعي ويشرفوا على توجيه الحكومة ويراقبوها على أدائها.

ولذلك بمجرد مجيء حماس إلى الحكومة التي وقعت في وهم أنها قادرة على تحقيق كذا وكذا، الأمر الذي زاد وساهم من حجم المشاكل التي وقعنا فيها، والعامل الآخر هو أن حماس فهمت من جهتها أنها بمجرد أن حصلت على الأغلبية في البرلمان عليها أن تشكل حكومة، وفتح التي لها أربعون سنة تقود الحركة الوطنية الفلسطينية لم تستوعب أنها خسرت، فبدأت تشاغب لتستعيد السلطة وباتت تتحدث عن منظمة التحرير وتتباكى عليها في الوقت الذي أنا منذ سنوات وأنا أطارد وراء الرئيس عرفات رحمه الله ، ووراء أبو مازن من أجل أن نعيد بناء منظمة التحرير، ولكن لم تكن هناك نية ولا اتجاه ولا رغبة في استعادة بناء منظمة التحرير، لان أهل السلطة رؤوا في السلطة أنها بديل للمنظمة وحتى أنها بديل لفتح، وأنا أستطيع أن أقول لك أن السلطة دمرت فتح ودمرت المنظمة، فتح باتت تتباكى على المنظمة كي تستعيد جزءا من السلطة عبر المنظمة.

أستاذ عبد الله إذا كان الأمر كذلك، هل من الممكن أن يكون السعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية مخرجا من هذه الأزمة ومنطلقا للقضاء على الفلتان الأمني على الصعيد الداخلي ورفع الحصار على الصعيد الخارجي؟

هناك نقص في فهم مفهوم الوحدة الوطنية، فالوحدة الوطنية التي تتحدث عنها الفصائل هي مجرد اجتماعات ولقاءات بحثا عن المحاصصة، أي إنهم يفكرون بحكومة وحدة وطنية من باب كم لهذا الفصيل أو ذاك الفصيل من الحصة، ومفهوم الوحدة الوطنية ليس كذلك، ليس مجرد أن نجلس مع بعضنا البعض وليس مجرد أن نقبل بعضنا بعضا، لكن ما يجري لدينا لو لفظ للآخر هو إقصاء للآخر، وكل طرف يعتقد انه هو على صح والأخر خطأ، لذلك برأيي أن هذه العوامل عقدت وتعقد وربما تجعل من المستحيل تشكيل حكومة وحدة وطنية.

"
المخرج هو تشكيل حكومة من شخصيات وطنية مستقلة لمرحلة انتقالية قد تستمر لمدة سنة، تكون ذات كفاءة ومصداقية ونزاهة، حكومة محايدة ليس فيها أحد من الفصائل
"
إذن ما هو برأيك الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة؟

من وجهة نظري -أما وأن وصلنا إلى هذه الحالة- فالمخرج هو تشكيل حكومة من شخصيات وطنية مستقلة لمرحلة انتقالية قد تستمر لمدة سنة، تكون ذات كفاءة ومصداقية ونزاهة. حكومة محايدة ليس فيها أحد من الفصائل لا من حماس ولا من فتح حتى لا تشعر حماس أنها خرجت مهزومة.

وحتى لا تشعر فتح أنها جاءت منتصرة نهائيا هذا أولا، وفي هذه الحالة تكون حماس قد أخرجت نفسها من دائرة المأزق الذي تعيشه، والشروط المفروضة عليها، لأن شروط الاعتراف بإسرائيل لم تفرض على الحكومات السابقة ولن تفرض على الحكومة التي اقترحها، بل هي فرضت فقط على حكومة حماس، فتكون حماس قد أنقذت نفسها وأنقذت الشعب الفلسطيني والحركة الوطنية من هذه الفروض والشروط.

ثانيا، هذه الحكومة يجب أن تكون خيارا لحماس وأن تأتي إلى الناس ببيان تقول لهم بسبب كذا وكذا وكذا، وأمام رفضي التنازل عن المبادئ، وحتى أقي الشعب الفلسطيني من هذه الحالة أنا انسحب، وفي نفس الوقت تبقى حماس في المجلس التشريعي تتحكم وتراقب.

ولنعطي فرصة لهذه الحكومة فرصة لمدة عام، إن نجحت استمرت وإن لم تنجح أسقطتها حركة حماس.

وثالثا، خلال هذه الفترة نعيد مسار الحوار للتهدئة بيننا وبين بعض، لأنه بمجرد أن تشكل الحكومة فإن الخطاب السياسي الاتهامي سيضطر إلى التنازل، وهذا قد يوفر أجواء أفضل للحوار والاتفاق، وعندما نتوصل إلى نتيجة مجددا فانه يمكن أن نشكل حكومة وحدة وطنية، ونلغي هذه الحكومة المؤقتة.

ورابعا، حتى لا تشعر حماس أنها أبعدت عن القرار السياسي بتركها للحكومة، إما أن تدخل فورا وهذا -واجب- كل من حماس وحركة الجهاد الإسلامي إلى إطار منظمة التحرير الفلسطينية لتبقى في المرجعية السياسية للحكومة وللقرار السياسي، وإما نشكل مرجعية سياسية تضم أعضاء اللجنة التنفيذية الحاليين لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتضم ممثلين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وشخصيات وطنية مستقلة، وهذه تكون بمثابة المرجعية السياسية للحكومة من جهة وتشكل مرجعية للقرار السياسي كي لا ينفرد أي طرف بالمفاوضات السياسية.


إذا ما بقيت حالة الخلاف الفلسطيني الفلسطيني على هذه الشاكلة التي نحن عليها الآن، ما هو توقعك لمستقبل الوضع الفلسطيني؟

أنا أخشى صراحة الحرب الأهلية، وأخشى أيضا أن ترى إسرائيل في ذلك ومعها الأميركان والغرب فرصة للفصل ما بين غزة والضفة وترك غزة للفلسطينيين يذبحون بعضهم بعضا، وحتى أخشى أن يؤثر الوضع بحيث يصبح أهلنا في الضفة يفكرون بحل بعيدا عن قطاع غزة، وهذا قد يعيدنا إلى حسابات قديمة لحلول كانت تتحدث عن حلول ثلاثية فلسطينية أردنية إسرائيلية، وبالتالي كل الذين يراهنون على قصة الدولة الفلسطينية ستسقط رهاناتهم، إضافة إلى تأثيرات أخرى إذا لم نتوافق فلسطينيا على الصيغة التي أتحدث عنها وأرى بأنها الصيغة الوحيدة المتاحة.

المصدر : الجزيرة