الجهود النووية لكوريا الشمالية أثمرت عن إجراء أولى تجاربها (رويترز-أرشيف)
 
كوريا الشمالية قالت قولتها ولم تمش، وتجرأت على فعلتها وهاهي تمد لسانها في وجه المجتمع الدولي تاركة شظايا قنبلتها النووية تتطاير وتثير عواصف من ردود الأفعال الغاضبة والمنددة من مختلف عواصم العالم.
 
بتفجير قنبلتها النووية تكون بيونغ يانغ قد نجحت في تغيير الأجندة الدبلوماسية الدولية من تكثيف الجهود للضغط عليها من أجل العدول عن قرارها إلى التعامل معها كأمر واقع، وتكريس الجهود الدبلوماسية لاحتواء الموقف والحد من تداعياته.
 
البعض يرى في الخطوة الكورية بمثابة عملية انتحارية. قد يكون صحيحا أن حسابات بيونغ يانغ لا تتوافق مع حسابات المجتمع الدولي، ولكنها تنسجم تماما مع السلوك الكوري الذي يستقرئ ويحلل المعادلة الإقليمية والدولية بشكل مختلف.

 
أمر واقع
فبيونغ يانغ ترى أن ردود الأفعال الغاضبة هذه سرعان ما ستهدأ وأن الجهود الدبلوماسية لإقناعها بالعودة إلى مائدة المفاوضات سرعان ما ستبدأ. فهي فرضت نفسها القوة النووية الثامنة كأمر واقع، وبهذا فهي تعتقد أنها نجحت في تحييد أي حل عسكري تجاهها حيث إن القوى الإقليمية في المنطقة سواء كانت حليفة لها كالصين أو تلك التي تصنف في خانة الأعداء كاليابان وكوريا الجنوبية لن تسمح بأي توتر بالمنطقة تكون فيه تلك القوى هي أكبر المتضررين.
 
فالصين التي تعيش طفرة اقتصادية عمادها الاستقرار وتستعد لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2008، لن ترحب بمثل هذا التوتر على حدودها. أما سول وطوكيو اللتان تستضيفان أكبر القواعد العسكرية الأميركية بالمنطقة فستبقيان تحت رحمة السلاح التقليدي الكوري.
 
وبيونغ يانغ التي كانت قد لوحت بأن أي إجراء عقابي كفرض حصار اقتصادي عليها مثلا سيعتبر بمثابة إعلان للحرب، سيفرض على أية دولة التفكير مرتين قبل القيام بأي إجراء من هذا النوع.
 
فالصين الحليف التقليدي وأكبر المزودين لكوريا الشمالية بالمواد الغذائية والوقود، لن تحتمل تسلل عشرات الآلاف من المهاجرين الكوريين عبر حدودها ممن دأبت على اعتبارهم مهاجرين غير شرعيين. أما سول الشقيق اللدود لبيونغ يانغ فهي غير مستعدة لدفع فاتورة انهيار النظام في كوريا الشمالية والتي تقدر بأكثر من تريليون دولار.
 
طريق وحيد
وتؤمن بيونغ يانغ تماما أن الطريق الوحيد للتخلي عن السلاح النووي أو لجعل شبه الجزيرة الكورية خالية منه، هو امتلاكه أولا وهو السبيل الوحيد لخروجها من جميع أزماتها.
 
ولقد لاحظنا ذلك خلال إحدى زياراتنا لكوريا الشمالية حيث أكد لنا أحد المسؤولين بوزارة خارجيتها أن النظام العراقي السابق لو امتلك السلاح النووي لما حصل ما حصل، وأن عاصفة التنديد بباكستان عندما أجرت تجربتها النووية سرعان ما هدأت.

ولم تلق بيونغ يانغ  كل ما في جعبتها بعد، حيث لا تزال تمتلك العديد من أوراق اللعب كالتهديد بالانسحاب من معاهدة الحد من الانتشار النووي أو حتى الانسحاب الفعلي من هذه المعاهدة, وربما الذهاب أبعد من ذلك بفتح قنوات تعاون نووي علني مع قوى مثل إيران مثلا.
 
أما إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي والذي سيأخذ بعض الوقت، فإن بيونغ يانغ ربما تكون تراهن على أن وزير الخارجية الكوري الجنوبي بان كي مون الأمين العام القادم للأمم المتحدة سيكون أكثر فهما للسلوك الكوري من فهم الأمين العام السابق بطرس غالي للموقف العراقي إبان احتلاله الكويت.

المصدر : الجزيرة