إمدادات الغاز الأوروبية مضبوطة على الساعة الروسية (الفرنسية)
 
هل تستطيع أوروبا أن تستغني عن الغاز الروسي الذي يزودها بـ 25% من حاجياتها, ويمر 80% منه عبر الأراضي الأوكرانية؟
 
لم تشعر أوروبا منذ وقت طويل بنفسها مهددة في طاقتها مثل هذا الأسبوع, عندما قررت روسيا فجأة أن توقف مد أوكرانيا بالغاز وهي في عز الشتاء, لتجد نفسها تواجه شتاء قارسا ودبا روسيا لم تعد خطواته ثابتة, لكنه يريدها أن تفهم أنه على وهنه ما زال يملك بعض الأوراق.
 
بدأت الأمور بين روسيا وأوكرانيا تسوء منذ 2002 عندما أنشأ البلدان شركة مختلطة لتسيير أنابيب الغاز الروسي, لكن الرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما لم يعمل بها, بينما تجاهلها تماما الرئيس الحالي فكتور يوتشنكو, وقررت موسكو –ربما على طريقة العلاج بالصدمات- وقف إمدادات الغاز في اليوم نفسه الذي ترأست فيه مجموعة الثماني.
 
سيباستوبول ليس ورقة ضغط لأن روسيا لا تعول على أسطولها هناك لوجوده في بحر مغلق (الأوروبية-أرشيف)
أمجازفة روسية؟
هل تجازف روسيا وهي تعلم أن جزءا كبيرا من مداخيلها يأتي من الأنابيب التي تمر عبر أوكرانيا وأن قيادة أسطولها في البحر الأسود تقع في ميناء سيباستوبول الأوكراني, ما جعل صحيفة أوكرانية تحذرها من هزيمة أخرى شبيهة بهزيمة القرم على يد القوات البريطانية والفرنسية في 1854.
 
يرى مدير مركز الدراسات السياسية الروسي ألكسي ماكاركين أنه ليس أدل من تحول الغاز سلاحا في يد الكرملين لمعاقبة من خرجوا من الفلك الروسي من قرار شركة غازبروم الروسية رفع سعر الـ 1000 متر مكعب من الغاز المبيع لجورجيا من 60 دولارا إلى 110, بينما كانت الزيادة بالنسبة لأوكرانيا بأكثر من أربعة أضعاف, فـ "الفرق أكبر من أن يكون من قبيل الصدفة", وكأن السعر يرتفع بارتفاع شدة الولاء للغرب.
 
وقد أرادت روسيا حسب ماكاركين من خطوتها تحقيق هدفين في آن واحد: زيادة إيرادات شركة غازبروم والتحكم في أنابيب الغاز, لتأخذ دولا على حين غرة بعد أن ظنت أن روسيا قد نسيت دبلوماسية الغاز.
 
كييف الخاسر الأكبر
"
روسيا قد لا تكون مضطرة بعد سنوات لتمرير غازها عبر أوكرانيا ولا أية دولة أخرى عندما يكتمل أنبوب غاز ضخم يمر تحت بحر البلطيق بشراكة مع أوروبا
"
أما المحلل الاقتصادي والسياسي الروسي المستقل فيشي سلاف ماتوزوف فيرى أن الخاسر الأكبر أوكرانيا, فهي ليست مرتبطة بالغاز الروسي فحسب بل إن جزءا هاما من قاعدة صناعتها الثقيلة يوجد في روسيا مثل طائرات الأونتونوف التي تركبها لكن قطع غيارها تصنع في روسيا.
 
ويقلل ماتوزوف من أهمية دور ميناء سيباستوبول كورقة ضغط, فالأسطول الروسي يوجد في بحر مغلق, وموسكو لا تعول عليه كثيرا من أساسه, كما أنها قد لا تكون مضطرة بعد سنوات لتمرير غازها عبر أوكرانيا ولا عبر أية دولة أخرى عندما يكتمل أنبوب غاز ضخم يمر تحت بحر البلطيق بشراكة مع أوروبا "ليجنب روسيا وأوروبا معا الضغط الأميركي".
 
البدائل الأوروبية
كما أن الغاز الجزائري والليبي ولا حتى النرويجي لا يمكن التعويل عليه كثيرا لقلته النسبية, فـ "أوروبا لا يمكن أن تجازف بالخوض في مشاريع ضخمة لا تغطي حاجاتها الطاقوية إلا لعقد أو عقدين".
 
يوتشنكو قد يستغل أزمة الغاز لإذكاء المشاعر الوطنية وجمع الناخبين من حوله (الفرنسية)
أما قضية السعر الذي تطبقه مع جورجيا فهو يخضع حسب ماتوزوف لمتطلبات اقتصاد السوق, بل إن جورجيا هي الأخرى محسوبة على الجناح الموالي لواشنطن, و"روسيا لم تقترح هذا السعر إلا لتنافس عروض الغاز الإيراني والأذري".
 
غير أن الأكيد بالنسبة لماتوزوف هو أن أزمة الغاز سيكون لها أثر مباشر على الانتخابات الأوكرانية في مارس/آذار القادم, إذ سيحاول الرئيس يوتشنكو استغلالها بتصوير روسيا على أنها الدولة التي تريد الاعتداء على أوكرانيا حتى يثير المشاعر الوطنية, ويجمع الناخبين من حوله.
 
شتاء أوروبا سيكون قارسا هذا العام وستكون أنظارها على الكرملين طول الوقت, بعد أن أصبحت خطوات موسكو غير محسوبة حتى في حالة تضعضعها, وكأن روسيا قررت فجأة –في اليوم الذي ترأست فيه مجموعة الثماني- الانتقال من خطب ود أوروبا إلى حماية مصالحها لعل أوروبا تخطب ودها, وإلا ماتت بردا.
ـــــــــــــــ

المصدر : الجزيرة