أرقام المفقودين تتباين بين 7 آلاف و20 ألفا (أرشيف HRW)
 
في صيف 1996 لمح فريد جلول سيارة يهم أصحابها باختطاف أحد الأشخاص في أحد شوارع غليزان غربي الجزائر, ولما اتصل بالشرطة لم تهرع حسب قوله إلى عين المكان بل سألته عن نوع السيارة ثم كان الجواب: "لا تحمل هما".
 
تلك الليلة طرق بابه أربعة عشر ملثما اقتادوا اثنين من أبنائه إلى مكان مجهول، ولم يظهر لهما أي أثر حتى الآن على غرار آلاف الجزائريين فقدوا خلال العشرية الماضية.
 
 لم تحقق أية لجنة مستقلة في ملف المفقودين (أرشيف HRW)
تضارب الأرقام
الحكومة أقرت بملف المفقودين إلا أن الأرقام تتباين بين سبعة آلاف وعشرين ألفا, وكذلك حال جمعيات عائلات المفقودين. 
 
السيدة قويدري مليكة كانت عضوا في "جمعية عائلات المفقودين" وانسحبت منها احتجاجا على ما أسمته "سياسة المضاربة", إذ تؤكد أن عدد المفقودين لا يتجاوز 7200 وتثمن توجه السلطة الجديد، وإن أقرت أنه رغم "النوايا الحسنة" لم يظهر ولو مختطف واحد.
 
كما أن السلطات لم تجب عن أسئلة بشأن قضايا اختطاف عرفت فيها هويات الخاطفين "على غرار أبناء العم الذين اختطفوا من داخل سجن الحراش في شرق العاصمة الجزائرية في 1994 ورفع ملفهم إلى السلطات التي لم تحرك ساكنا".
 
استشارة لا تحقيق
أما فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان التي عينتها الرئاسة الجزائرية فيصر على اعتبار نصف المفقودين ممن التحقوا بالمسلحين ويقدر عدد الملفات  بـ 6146, غير أنه يقر أنه لا يمكنه رفع اللبس الذي يكتنف مصير من التحقوا بالمسلحين رغم تحييد أكبر جماعتين في البلاد.
لجنة قسنطيني: أغلب عائلات المفقودين قبلت التعويض (أرشيف HRW )
 
كما يصر قسنطيني في حديثه للجزيرة نت على أن من تورطوا في حالات "الاختفاء القسري" تصرفوا بشكل منفرد ولم يتلقوا أوامر من هيئات حكومية.
 
إلا أنه لما يسأل أن المسؤولية الفردية قد تعني مسؤولية أفراد لهم سلطة القرار, يرد بأنه إذا كان هناك مسؤولون متورطون فإنهم ليسوا من "المسؤولين الكبار".
 
الأشياء كما تبدو الآن لا تتجه نحو لجنة مستقلة لا داخلية ولا خارجية حيث الريبة تطبع علاقات الحكومة بالمنظمات غير الحكومية على غرار "هيومن رايتس ووتش" التي تشكو قلة وصولها إلى الملفات رغم إقرارها بتطور الأمور نسبيا.
 
ويقول رئيس قسم البحث المكلف بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش" في اتصال مع الجزيرة نت إريك غولدستاين إنه لا يفهم الجزم بعدم تورط هيئات حكومية  في غياب لجنة تحقيق مستقلة, مضيفا أنه لا يمكن لمنظمته أن تتدخل في قرار العائلات لأنها لا تعارض العفو مبدئيا ما لم يشمل المسؤولين عن جرائم الاختطاف.
 
العفو الشامل بحسب غولدستاين يجب ألا يعني الإفلات من العقاب بل تخفيفه, مع ضمان حق كل عائلة في أن تبلغ فرديا بما حدث لقريبها أو أقاربها, واصفا عمل لجنة قسنطيني بأنه تكريس "للا عقاب".
 
تعامل الجزائر مع منظمات حقوق الإنسان الدولية كان دائما صعبا, فرغم انفتاحها نسبيا على هذه المنظمات في المدة الأخيرة فإنه يبدو أنها غير مرحب بها تماما, لذا يصف غولدستاين تعامل لجنة قسنطيني مع منظمته كلما زارت الجزائر بأنه "لا يتعدى واجب الضيافة".
 
بعض ناشطي حقوق الإنسان يتهم بوتفليقة بأنه وظف الاستفتاء لضمان دعم الجيش  لعهدة ثانية (الفرنسية-أرشيف)
عفو بلا تحقيق؟
أما نائب رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان حسين زهوان فيرى الاستفتاء وسيلة لطي ملف التجاوزات عبر لجنة لا تملك القرار, بل ويخشى أن يكون الاستفتاء وسيلة لملاحقة من تسول له نفسه إثارة الموضوع.
 
ورغم أن زهوان لا يقدم رقما دقيقا فإنه يقدر المفقودين بما بين 12 ألفا وعشرين ألفا, معتبرا عدم وعي كثير من الأسر بحقوقها وراء عدم توثيق كل القضايا، مضيفا أن آلاف الملفات تتوزعها الاتحادية الدولية لحقوق الانسان بفرنسا ولجنة جنيف.
 
ويرى زهوان في حواره مع الجزيرة نت أن أفراد قوات الأمن هم المستفيدون الأوائل من الاستفتاء متحدثا عن أخبار بشأن رفع التعويضات إلى حوالي 120 ألف دولار لإقناع العائلات المترددة بإسقاط الملاحقات.
 
كما يتهم الحكومة بأنها قد تلجأ إلى التلاعب بمصطلحات الاستفتاء, فبدلا من توجيه سؤال دقيق "هل تقبلون العفو عن المتورطين دون محاكمة؟" يرجح أن تكون الصياغة عامة مثل "هل تؤيدون عودة التسامح بين الجزائريين؟" وهي صيغة لن يجد الناس إلا أن يوافقوا عليها.
 
أما القول بأن حوالي نصف المفقودين ممن التحقوا بالمسلحين فيرى أنه يحتاج إلى تحقيق مستقل, إذ أن أغلب الشكاوى التي رفعت إلى لجنة قسنطيني تعني أناسا اختطفوا على يد أجهزة تابعة للدولة وتذكر ساعة الاختطاف بل ومراكز الأمن التي اقتيد إليها المفقودون.
 
كما يقلل زهوان من دور بوتفليقة في إخراج الملف من دائرة المحرمات, معتبرا أن ثقله فرض نفسه على السلطة, أما الجيش فقد كان سباقا -حسب قوله- إلى قمعه ولم يقبل طرحه إلا في إطار استفتاء يؤمن إفلات المتورطين.
 
 الملفات الموجودة تدين أشخاصا محددين وتذكر حتى مراكز الاعتقال التي اقتيد إليها المفقودون (أرشيف HRW)
الجيش والمفقودون
هذا الرأي يشاطره الصحفي القاضي إحسان الذي يعتبر تسوية قضية المفقودين صفقة بين الجيش والرئيس لطي ملف التجاوزات.
 
ويرى القاضي إحسان أن قبول الجيش بالعفو الشامل لا يرتبط بنفوذ الرئيس بل بأفول جناح قيادة الأركان الذي يعتقد أنه كان في صراع مع جهاز الاستخبارات المستفيد من مجيء بوتفليقة.
 
الاستفتاء بالنسبة للقاضي إحسان ثمرة صفقة بين بوتفليقة عند تقدمه لعهدة ثانية والاستخبارات -أحد المتهمين الرئيسيين- في إطار اتفاق مرتبط استمراره بالتزام كل طرف ببنوده وهي دعمها ترشح بوتفليقة مقابل تعهد بتجنيب أفرادها ملاحقات قانونية.
 
الحقيقة أولا
الحد الأدنى الذي يجمع كل الأطراف هو خروج الملف من دائرة المحرمات حتى وإن كان ما أشيع عن مشروع العفو ما زال بعيدا عن آمال عائلات المفقودين.
 
ورغم أن الشكل النهائي لتقرير قسنطيني لم يعرف فإن التجاذبات بدأت بين من يريد استفتاء يكرس العفو الشامل على الطريقة الشيلية مع اعتذار صريح من السلطة وبين من يرى أن العفو لا يتم إلا بعد تسمية الفاعلين بأسمائهم وتبليغ كل عائلة بما حدث.
 
الحقيقة أولا هو ما يبحث فريد جلول الذي يقول إنه يريد فقط معرفة مصير ابنيه, وأن يقر المتهمون بما فعلوا ويطلبوا العفو, عندها فقط يمكن الحديث عن التعويض, فهو يريد قلب الصفحة ولكنه يريد قراءتها أولا.
ـــــــــــــــ

المصدر : الجزيرة