طارق رمضان (يمين) يتحدث لمراسل الجزيرة نت

حوار سمير شطارة-أوسلو

يعد الدكتور طارق رمضان -حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا- من الشخصيات المسلمة الأكثر إثارة للجدل في أوروبا وفي الغرب عموماً، تصفه الصحف الفرنسية بأنه الشخصية الإسلامية الرئيسية في فرنسا، وصنفته مجلة تايم الأميركية بأنه أحد أهم 100 شخصية على مستوى العالم بالقرن الـ 21، كما وصفه المثقفون في أوروبا  بأنه "مارتن لوثر" المسلم، و"مالكوم إكس" الجديد، واعتبروه قنبلة موقوتة في فرنسا. وطالبت نائبة بحزب الشعب السويسري بإبعاده من التدريس في جامعة فريبورغ -أثناء عمله فيها- بدعوى أنه يمثل "خطر التبشير" في الوقت الذي يراه آخرون "حاملا لمشعل الأنوار".

وفي العالم الإسلامي حظي الدكتور رمضان باهتمام لا يقل عما حظي به في أوروبا، سواء أكان ذلك بالقدح أو بوصفه المسلم الأوروبي المستنير، واعتبرت شخصيته مثيرة للجدل دوما، من خلال أفكاره التي يطرحها في المحاضرات والمؤتمرات، وزاد الجدل حول الرجل بعد دعوته الجريئة إلى تجميد الحدود الشرعية نظراً لأن شروط إقامتها غير متوافرة.

ما الأسباب الحقيقية التي دفعت الحكومة الأميركية لسحب تأشيرة دخولك للبلاد قبل تسعة أيام فقط من سفرك للالتحاق بطاقم التدريس بجامعة نوتردام الكاثوليكية؟

 

- لم يوضحوا أي سبب، كل ما أعلمت به أنه بسبب القانون الجديد الذي صدر بعد أحداث (11) سبتمبر Patriot Act، وكان هناك تدخلات غير رسمية من قبل عدة مثقفين للضغط لإعادة النظر في قرار الخارجية الأميركية، إلا أنه قيل لهم مما قيل إن رمضان ضد المثقفين اليهود، وطارق رمضان عنده اتصالات مع الإرهابيين والمتطرفين والإسلاميين، هذه الأسباب قيلت عن طريق المثقفين الأميركيين، ولكن رسمياً لم يُذكر السبب الرئيسي لرفض دخولي للبلاد، وبعد ذلك طلب مني وزير الخارجية السابق كولن باول أن أقدم ملفا من جديد، وقدمته من جديد، وبعد شهرين قلت إن هذا لا يصح، فالمسألة متعلقة باحترام الناس وأنتم لم تردوا على الطلب الجديد، فاستقلت من الجامعة.

 

صحيفة لوموند اعتبرتك الشخصية الإسلامية الرئيسية في فرنسا اليوم، واعتبرك مفكروها بأنك الوريث غير المعلن للإخوان المسلمين، و"حصان طروادة للجهاد في أوروبا" واتهموك بمعاداة السامية، في الوقت الذي يعتبرك فيه بعض المسلمين متساهلا مع إسرائيل، ما تعليقك؟

 

- أنا لست متساهلا مع إسرائيل، فموقفي واضح وأدافع عن حقوق الفلسطينيين، وهناك فرق واضح بين معاداة السامية والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، والمفروض أن الحديث عن تجاوزات الحكومة الإسرائيلية لا يعني معاداة السامية، وهذا الخطاب صريح في هذا المجال. طبعاً هناك خلط في هذه الأمور، فالمشكلة تظهر وكأنها مع طارق رمضان، ولكنها في الحقيقة مع الإسلام والدين بالذات، فعندهم مشكلة تاريخية، ليست مشكلة واحدة بل مشاكل مع الدين، فالدين الكاثوليكي كان عندهم صراع معه، ويحدث الآن مثل هذا الصراع مع المسلمين، وعندهم وجهة نظر بأن عودة الدين في المجتمع المفتوح تؤدي إلى خطر على المجتمع الفرنسي، فأنا العربي المسلم الذي يتكلم باللغة الفرنسية كما يتكلمونها وأدافع عن أفكاري, أشكل خطرا، ومن الصعب على المجتمع الفرنسي أن يعترف بالتغييرات التي حدثت فيه.

 

وجهة النظر الفرنسية أنه من الصعب أن تقبل هذا الوجود الإسلامي المطمئن بدينه والمدافع عن حقوقه وأفكاره، وكل الأطراف السياسية تقريباً لا تقبل ذلك، فاعتبر طارق رمضان رمزاً لهذا الفهم.

 

كيف ترى صورة المسلم الناجح القادر على الاندماج في وسطه الأوروبي دون فقدان نقاط ارتكازه الإسلامية، والبعد عن الوقوع فيما يسميه البعض "تمييع الدين" أو إلغاء الهوية الدينية؟

 

- نحن نفهم أن الهوية الإسلامية مبنية على شروط ومبادئ، ولا بد ألا نخلط بين المبادئ الإسلامية والثقافات العربية، مثل الثقافة المغربية والثقافة الجزائرية والمصرية. نحن نحترم المبادئ الإسلامية، ولكن بخصوص الثقافات فمن الممكن أن نأخذ من الثقافة الفرنسية وغيرها كل ما نستسيغه ولا يتعارض مع المبادئ الإسلامية، وهذا من الإسلام، فالحكمة ضالة المؤمن، وهذا هو الاندماج دون الذوبان الذي أقره العلماء.

وبعد ذلك تأتي المواطنة، فهي مبدأ من المبادئ التي لا بد أن نركز عليها، أنت مواطن فرنسي مثلاً فيجب أن تدافع عن حقوقك، وهذا يعني حرية الأديان وحرية التعبير، والحريات هي من المواطنة، وبذلك تكون مواطنا نشطا في المجتمعات الأوروبية، وفي نفس الوقت يمكنك أن تلتزم بالمبادئ الإسلامية، لأن المبادئ الإسلامية عالمية، أي أنها ليست عربية فقط، وهذه المبادئ يمكن الالتزام بها في أي مكان، وهذا يتماشى مع القول إن الإسلام يصلح لكل مكان وزمان.

والفهم العميق يقتضي ألا نخلط بين الثقافات القومية والمبادئ الإسلامية، وأن نأخذ من المجتمعات التي نعيش فيها، فأنا ولدت في سويسرا وأخذت من الثقافة السويسرية وكذلك من الثقافة الفرنسية, كل الأشياء التي لا تتعارض مع المبادئ الإسلامية، وبعد ذلك أنا حر، ومن الممكن أن اختار، فهم يشربون الخمر وأنا لا أشرب، يقومون بأشياء تروق لهم وأنا لا أقوم بها، فهذه من المسؤولية الشخصية، مسؤولية ضمير المسلم. الأمر يرجع إلى ضرورة التربية الإسلامية في المجتمع الأوروبي، لا بد أن نركز على الروحانية والفهم العميق وليس فقط على الشكليات.

 

 

ألا توافقني القول إن ما يطرحه رمضان ويثيره يلقى عدم ثقة مزدوجة؛ من قبل كثير من المسلمين بسبب انتمائه الغربي، ومن قبل كثير من الغربيين بسبب انتمائه الإسلامي؟ ألا تشعر بأن المسألة تجعلك تدور في حلقة مفرغة، وأن كل ما تلقاه هذه الأطروحات هو الإثارة والجدل الإعلامي؟

 

- الجدل الإعلامي شيء وما يحدث على الساحة وداخل الجاليات الإسلامية شيء آخر، فأنا على اتصال مع الجاليات الإسلامية بأوروبا وأميركا وأستراليا وحتى في البلاد الإسلامية، وهذا يعني أن الخطاب يسمع ويفهم والآن يُطبق.

 

فما أقوله الآن داخل الجاليات الإسلامية يسمع ويُطبق، فعلاً أرى الآن أن الفهم الصحيح للإسلام وللمبادئ الإسلامية وللمواطنة تتحقق بشكل صحيح، أنا بعيد عن الأمور الإعلامية، فكل ما أريده هو التركيز على العمل الصحيح والمستمر داخل الجاليات بما يخص التربية الإسلامية والفهم الصحيح للإسلام وللعلاقة بين المسلمين والمجتمعات الغربية، وهذا أهم شيء.

 

طبعاً بالنسبة للمسلمين سيعتبرونني قريبا من الغرب، وبالنسبة للغربيين أنا قريب للإسلام وللمسلمين، فإذا كنت تريد أن تبني جسراً بين مجتمعين أو ثقافتين فإنك ستجد مسلمين وأوروبيين لا يفهمون ما تريد أن تفعل، فأنا الآن لا أركز على الأمور الإعلامية وأصب جهدي في العمل داخل الجاليات الإسلامية وتغيير وجهة نظر المسلمين تجاه المجتمعات الغربية، وفي نفس الوقت أعمل داخل المجتمعات الغربية محاولا تغيير وجهة نظر الغربيين عن الإسلام والمسلمين.

 

هنا أجدني منساقا إلى سؤال مكمل لسابقه؛ ما هو تأثير "ازدواجية الانتماء" على فكر طارق رمضان وآرائه واجتهاداته؟

 

- طبعاً أي واحد يعيش في مجتمع فسيتأثر بهذا المجتمع، ولكن المهم أن نفهم المبادئ الإسلامية، أنت تعيش في مجتمع والمجتمع يؤثر على فهمك وطريقة تعبيرك، ولكن أنا أقول للمسلمين، لكل المسلمين: هل هناك شيء في أفكاري يتعارض مع المبادئ الإسلامية؟ لا أرى هذا، لكن أنا الآن أريد أن آخذ من الثقافات والمجتمعات الأوروبية كل الأشياء التي لا تتعارض مع مبادئي الإسلامية، وأبني مستقبل الأوروبيين المسلمين على هذه المبادئ، على المبادئ الإسلامية والثقافة الغربية، فهذا هو المسلم الأوروبي.

 

لا أقول إن الإسلام الأوروبي هو إسلام آخر، بل إن الثقافة الإسلامية الأوروبية ثقافة أخرى، أما الإسلام في أوروبا فهو نفس الإسلام، فالثقافات تتعدد، ليس عندنا ثقافة واحدة، عندنا عالمية الإسلام، والمهم أن نؤكد على ضرورة الالتزام بالمبادئ الإسلامية العالمية المعروفة لكل المسلمين، وفي نفس الوقت نأخذ من الثقافات.

 

حتى في أوروبا تختلف الثقافة الإسلامية الفرنسية عن الثقافة الإسلامية البريطانية عن الأميركية والكندية. وكل هذا مفهوم عندنا منذ زمن، وأنت حينما تزور أفريقيا ستجد أن الثقافات والعادات تختلف ولكن الإسلام واحد.   

 

 في أطروحة جريئة طالبت بتجميد الحدود الشرعية، وأثارت هذه الأطروحة جدلا صاخبا وغاضبا في آن واحد. هل من مراجعة جديدة من طرفك لهذه الأطروحة أم أنك بعد هذا النقاش المحتدم إزاء هذه القضية ازددت قناعة برأيك؟

 

- (يبتسم) ازدادت قناعاتي، وأكثر من هذا تكلمت مع عدة علماء، فأنا كنت قبل أيام في المغرب وجلست هناك مع أكثر من 40 عالما، وقد تكلمنا في هذا الموضوع، ووجدت أن الناس يدافعون عن الأفكار التي طرحتها، حتى مفتي مصر الشيخ علي جمعة حين تقرأ رده على أطروحتي فإنه يدافع عن هذه الأفكار، ولكنه اعتبر أنه ليس هذا هو الوقت المناسب للكلام فيه.

 

أنا أرى هذه الأفكار من المسائل الهامة، فباسم الإسلام والنصوص القرآنية أنا أقول إن النصوص واضحة وموجودة، ولكننا نجد الآن عدم توافر لشروط تطبيقها، فإذا كانت الشروط لا يمكن أن تطبق ماذا يمكننا أن نفعل، هل نصمت أم نقول إن ما يحدث في بعض الدول الإسلامية خطأ؟ قال لي بعض العلماء إن حد "الرجم" وقع في نيجيريا والسعودية وأفغانستان والسودان وإيران، فهل نسكت إزاء ذلك، ماذا نقول عن حكم الإعدام وقطع اليد؟

 

في الوضع الراهن شروط إقامة الحدود غير متوفرة. كل ما أقوله هو أنه ينبغي أن نفتح باب الحوار والنقاش في هذا الموضوع، وقد طلبت من العلماء الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ماذا نجد في النصوص الآن؟ نريد أن نعرف ما هي النصوص بالضبط؟ حتى ما يخص فهم النصوص والشروط المطلوبة لتطبيقها، وماذا عن الواقع الذي يجب أن يكون صالحا لتطبيق هذه النصوص؟

 

بعض المسلمين اعتبروني خرجت عن الإسلام الصحيح، أقول لهم تعالوا وانظروا، لقد قرأت النصوص، ورأيت أن الشروط اللازمة لتطبيقها ليست متوفرة، وهذا جئت به من داخل الإسلام، فلا تقل لي أنت جئت من أوروبا مثلما قيل لي من بعض العلماء، أنا أتكلم انطلاقا من الفقه الإسلامي، عندي أسئلة فأجيبوا عنها.

 

كان ردود الفعل الأولية على أطروحتي سطحية جداً، والوحيد الذي رد علي بثلاث صفحات هو الشيخ علي جمعة، وحينما تقرأ رده تجده يدافع عن الأفكار التي أثرتها، يقول إن هذا بالفعل لا يمكن أن يطبق الآن في واقع المجتمعات الإسلامية. فالفقراء والنساء فقط هم ضحايا هذا الأمر، وأنا مصر على أن نطرح ذلك باستمرار.

 

كنت في إندونيسيا وباكستان وقلت للعلماء الذين تكلموا بهذا الموضوع تعالوا إلى الأدلة والنصوص والشروط، هل يمكن أن تطبق؟ فوجدوا أنه لا يمكن أن تطبق في الوضع الراهن.

 

أنا أطالب العلماء أن يردوا على النص والأدلة والمقاصد، فمن النادر جداً أن تجد عالما يقول إن ما يحدث لا يصح ولا يمكن أن يطبق الآن وعلينا أن نصمت وأن نتكلم فقط عندما تذكره وسائل الإعلام الغربية، فقد تكلمنا كثيراً عما حدث في نيجيريا، لماذا؟ لأن نيجيريا بلد فقير، وتكلمت وسائل الإعلام الغربية، فتبعناها وقلنا لا، ولكن لو وجدنا أي بلد غني مليء بالبترول سيقال لك اسكت لا تتكلم، حتى الغرب لا يتكلم، ونحن بالتالي لا نتكلم، والضحية هو الباكستاني أو النيجيري الفقير مثلا، وأنا لا يمكن أن أقبل هذا وألجأ للصمت عندما أجد أن مثل ذلك يطبق باسم الإسلام رغم أنه خيانة للمبادئ والعدل الإسلامي.

 

 بعد منع دخولك الولايات المتحدة وقبلها فرنسا، تفاجأنا بإعلان الحكومة البريطانية اختيارك للعمل مستشارا لها في مكافحة التطرف الاسلامي، ما تعليقك؟

 

- أنت ذكرت أنني منعت من الدخول إلى أميركا، وقبل ذلك بعشر سنين منعت من دخول فرنسا، ولكنني أيضا ممنوع من الدخول إلى مصر والسعودية وتونس، فلا بد أن يذكر هذا أيضاً، فهذه الحكومات لا تريد مسلما يتكلم بحرية عما يحدث الآن في هذه البلاد، هذا يعنى أن هناك دكتاتورية ولا وجود لحرية التعبير، وهذا يعني أيضا أنني ممنوع من دخول أكثر من بلد وليس الأمر مقصورا على البلاد الغربية، هذه هي النقطة الأولى.

 

أما النقطة الثانية فتتعلق بعملي، فقد قيل إن طارق رمضان مستشار] رئيس الوزراء البريطاني [بلير، لا، توني بلير قرر بعدما حدث ما حدث في بريطانيا أن أكون ضمن مجموعة من المثقفين المسلمين وغير المسلمين، وطلب من هذه المجموعة أن تجلس وتقدم أفكارا فيما يخص السياسات المهمة التي يجب أن تطبق داخل المجتمع البريطاني ضد الإرهاب، أنا قلت من البداية أن هذا العمل مستقل، وأنا غير موظف، وعملي مستقل تماماً، وأوضحت أن لي مطالب فقلت إنه يفهم من البداية أن لنا مسؤوليات مشتركة.

 

الآن الجالية الإسلامية لا بد أن تأتي بوسائل تقدم شيئا داخل الجالية تتعلق بالتربية الإسلامية، فمثلا ماذا نقول عن الثقافة البريطانية، هل هي جزء منا أم لا؟ وماذا نقول عن المجتمع الغربي، وماذا نقول عن الأئمة الذين يتكلمون بالطريقة التي تستبيح دماء المجتمع الغربي؟ فمن المفروض أن يكون الخطاب الإسلامي واضحا إزاء هذه المسائل وغيرها، وهي لازالت غير واضحة في التربية الإسلامية هناك.

 

وفي نفس الوقت الحكومة البريطانية مطالبة بأن تعيد النظر فيما يخص العمل مع المسلمين، فماذا يقدم الآن في المدارس الرسمية عن الإسلام وعن فهم الإسلام؟ لا شيء، ماذا يذكر عن مساهمة الجاليات المسلمة في بناء هذا المجتمع؟ لا شيء، ماذا تقدم الحكومات فيما يخص العدالة داخل المجتمع بما يخص المواطنين المسلمين؟

من المفروض أن يكون هناك سياسة خاصة بهذا المجال، وهذا تقع مسؤوليته على عاتق الحكومة.

 

والشيء الآخر السياسة الدولية، فعندما تذهب إلى العراق وتقتل المواطنين العراقيين وبعد ذلك تقول ليس هناك علاقة بين هذا وذاك، فهذا خطأ، وفيما يخص القيم لا يصح أن يقتل الأبرياء في لندن باسم القتل في العراق، هذا لا يقبل، ولكن في نفس الوقت سياسياً هناك علاقة، الشخص الذي فجر نفسه في لندن قالها أنتم تقتلون المسلمين، لذا فإننا نأتي لنقتلكم.

 

من البداية أنا قلت هذا، نحن نطرح بعض الأفكار داخل الجاليات الإسلامية، وفي نفس الوقت نقدم أفكارا تخص سياسة الحكومة تجاه المسلمين والمواطنين، والشيء الآخر الذي قلته هو أنني لا أستطيع أن أسكت عن السياسة البريطانية، فالحرب في العراق خطأ وهذه سياسة خاطئة، وهذا مازلت أقوله بقوة داخل بريطانيا التي أقيم فيها، وأقول أيضاً إن القوانين الجديدة ضد الإرهاب وما يحدث الآن مع الأئمة الذين يرحلون أو يبعدون إلى بلاد أخرى نعرف تماما أن فيها تعذيب، سياسة غير صحيحة نقدح فيها، وأنا داخل هذه المجموعة أدافع عن هذه الأفكار وأقولها بكل صراحة، فأنا أرى أن ندائي داخل هذه المشاركة بجانب نداءات المسلمين هناك تساعد كثيراً.

 

 تقول الحكومة البريطانية إن هجمات لندن لا علاقة لها بسياساتها الخارجية، والصحافة تلقي باللائمة على مشاعر الاغتراب لدى الشباب المسلم، وقادة المنظمات الإسلامية يؤكدون أن الهجمات لا علاقة لها بالإسلام، كيف ترى هذه المسألة من زاويتك؟

 

- أولاً سياسياً هناك علاقة بين ما يحدث في العراق وما يحدث في لندن. أما ما يخص القيم الإسلامية فلا يمكن أن يُقبل ما حدث في لندن، ولكن طبعاً نريد ردا سياسيا على سؤال سياسي، ماذا تفعلون هناك؟ فأنتم ذهبتم للعراق، وهذا خطأ، ونحن لا بد أن نقدم أفكاراً ضد السياسة البريطانية، نعارض، نقول إن هذا لا يصح، أما ما يخص الإسلام فلا يمكن أن نقول إن ما حصل له علاقة بالإسلام، طبعاً هناك الأئمة وبعض المسلمين –وهم قلة طبعاً ولكنهم موجودون داخل الجالية الإسلامية- يدافعون عن هذه الأفكار، ونقول إن هذه ليست فقط غير إسلامية بل هي ضد القيم الإسلامية وضد الإسلام نفسه، الخطاب الإسلامي لا بد أن يبنى على هذا الأساس، أن نرفض هذا ونقول إنه ليس له علاقة بالإسلام، وأيضاً نقول فعلاً بأنه عندنا مشكلة، الآن حينما تسمع بعض الأئمة يقولون إن الغرب ضد الإسلام، ويصفون الغرب بدار حرب، فهذا لا يصح.

 

لا بد للخطاب الإسلامي أن يكون واضحا فيما يخص هذه المسائل، وفي نفس الوقت نقدم ردا سياسيا لمسألة سياسية، أي نقول إن ما يحدث الآن في العراق خطأ والمفروض أن تراجع الحكومة البريطانية سياستها الدولية بما يخص العالم الإسلامي، فلا نؤيد هذه الأعمال، ولا نقبل السياسة البريطانية تجاه العراق، ولا الصمت على الضغط والضرب والتعذيب للفلسطينيين، وحتى في الشيشان، فنحن ننتظر من الحكومة البريطانية والحكومات الأوروبية سياسات جديدة فيما يخص حقوق الإنسان وحقوق المسلمين في البلاد الإسلامية.

 

 الإعلام الغربي يصور الشباب المسلم على أنه "مشكلة" كيف تنظر للمسألة خاصة في ضوء دعوتك بشكل إيجابي للقيام بـ "ثورة صامتة" بين الشباب المسلم في أوروبا؟

 

ج: وسائل الإعلام الغربي تتكلم عن بعض الأشخاص على هامش الجاليات، نحن الآن نريد أن نقول للناس ولوسائل الإعلام الغربي لا تتكلموا عن هؤلاء الذين يضرون المجتمع الأوروبي، بل تكلموا على أولئك الذين يبنون المجتمع الأوروبي، فهم الآن مواطنون ويحرصون على البناء، فتعالوا وتكلموا عنهم، فشباب المسلمين الأوروبيين وشباب المسلمين الأميركيين والكنديين، ومعهم النساء المسلمات، مطلوب منهم أن يبنوا، فهؤلاء في المستقبل القريب سيغيرون المجتمعات، فأنا أعمل الآن في هذا المجال، وأعمل مع "شبكة الاتحاد الإسلامي الأوروبي"، نحاول أن نعمل على مستوى أوروبا لتغيير الفهم والصورة إزاء النشاط الإسلامي داخل الجاليات الإسلامية، فأنا أرى ذلك إيجابيا، وفعلا هي ثورة صامتة، وهذا هو مستقبل الجاليات الإسلامية.

 

 الحديث عن التكامل أو الاندماج ينتهي غالبا إلى معنى الهضم والذوبان، فما هي حدود الاندماج المشروع في أوساط تختلف ثقافتها ودينها وهويتها عن ثقافتي وديني وهويتي؟

 

ج: حينما تلتزم أنت بالمبادئ الإسلامية، وتلتزم بالحدود والواجبات التي عليك من صلاة وغيرها في هذه البلاد التي تعطيك حرية كاملة في ممارسة العبادات.

أنا لا أدافع عن قضية الاندماج فحسب، بل أطلب أكثر من هذا، أريد من المسلمين في المجتمعات الأوروبية أن يقدموا شيئا، أن يقدموا القيم الإسلامية، أن يقدموا الخطاب الإسلامي المفتوح للجميع بالقيم والعدل والمساواة، الأخوة الإنسانية، أن نفهم أن هناك أخوة إنسانية، فهذا الهدف أكبر من أن نندمج بالمجتمعات، والآن لا بد أن يرجع المسلمون إلى الفهم العميق ويقدموا صورا جديدة وتربية جديدة تتواءم مع وجودهم في المجتمعات الغربية.

 

حينما تقدم شيئا للمجتمع تجد الناس يحترمون وجودك، وبهذا الاحترام يمكن أن تلتزم أكثر وأكثر بالقيم الإسلامية، فهذا هو الوجود الإيجابي، ولا أريد أن أقبل من المجتمعات الكلام بعد عشرين سنة وثلاثين سنة عن الاندماج، لقد انتهينا من هذا، فأنا مواطن الآن، وقبلت الثقافة الغربية ضمن ثقافتي، والآن أقدم القيم الإسلامية للمجتمع بتميزي.

 

 لكن أليس الإقدام بهذا الشكل يعتبر مغامرة، لاسيما وأن المسلمين ليسوا كلهم على نفس قدر الفهم الذي يتمتع به طارق رمضان وليسوا في مثل التزامه بالهوية الإسلامية، خاصة وأن الشواهد الواقعية تثبت عكس ما تريده وانتهت بذوبان؟

 

- ما هي الهوية الإسلامية؟ طبعاً هناك ذوبان، ولكن ليس هناك لغة إسلامية، كل اللغات إسلامية، العربية لغة القرآن، ولكن لا يمكن أن تقول إن من يتكلم العربية أكثر إيماناً ممن لا يتقن العربية، فقد تجد أناساً أوروبيين لا يتقنون العربية ورغم ذلك هم مسلمون على أعلى المستويات، فهذا هو المهم، ما هي الهوية الإسلامية، فنحن عندنا فكرة مغلقة عن الهوية الإسلامية، وهذا لا يصح، الهوية الإسلامية مفتوحة أمام كل الحضارات.

 

الذوبان فعلاً يحصل، ولكن في نفس الوقت إذا زرت الجاليات الإسلامية ترى الشباب موجودين في المساجد.
_______________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة