تكتيك التفاوض يحقق أكبر المكاسب لكوريا الشمالية
آخر تحديث: 2005/9/21 الساعة 18:50 (مكة المكرمة) الموافق 1426/8/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/9/21 الساعة 18:50 (مكة المكرمة) الموافق 1426/8/18 هـ

تكتيك التفاوض يحقق أكبر المكاسب لكوريا الشمالية

وفد كوريا الشمالية نجح في المحادثات السداسية في الحصول على ضمانات مقابل التخلي عن السلاح النووي (الفرنسية-أرشيف)

عزت شحرور- بكين

كوريا الشمالية دولة عزلتها الطبيعة جغرافيا وعزلت نفسها سياسيا، وتعاني من ضائقات اقتصادية خانقة وأزمات غذائية تهدد الملايين من مواطنيها بالموت جوعا. وهي لا تملك نفطا كي تقايضه بالغذاء وليست واحة للديمقراطية -رغم أنها تؤكد ذلك في اسمها الرسمي- وليست مركزا لتصدير الثورات.

لكنها مع هذا تصر على مناطحة القوة الأعظم في العالم الولايات المتحدة وكل ما تملكه هو برنامج نووي مجهول المعالم ترفض التخلي عنه إلا بحل جميع قضاياها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

قد يبدو ذلك ضربا من الخيال في ظل حسابات توازن القوى الحالية، لكن المعطيات تشير إلى نجاح بيونغ يانغ بتحقيق تقدم في الحصول على ما ترغب.

بيونغ يانغ لم تستجب لتهديدات الأميركيين خلال جولات التفاوض(الفرنسية-أرشيف)
قوة ردع
ولاشك أن القوة العسكرية الكورية سواء بامتلاكها السلاح النووي أو باعتمادها فقط على الأسلحة التقليدية شكلت قوة ردع لا يستهان بها نجحت في تحييد لجوء الخصم إلى الحل العسكري والجنوح إلى السلم والحل التفاوضي. طبعا دون إغفال إجماع دول الجوار والقوى الإقليمية على رفض مجرد التفكير بالسماح في استخدام القوة.

جولات المفاوضات السداسية لم تكن بالنسبة لكوريا الشمالية نزوعا نحو الأسهل من الخيارات المطروحة أمامها، بل إنها لجأت إلى التصعيد لخلق الأجواء والظروف التي تمهد للمفاوضات وانتظرت كي تدعى لها. وهذا فتح لها الباب أمام تلبية بعض مطالبها مقابل مجرد موافقتها الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

إستراتيجية التفاوض
بيونغ يانغ تعتمد على ما بدا خلال الفترة الماضية إلى إحداث خلافات في جبهة الخصم وإرباك حالته النفسية، كما تسعى أيضا إلى شق جبهة تحالفاته وفتح قنوات تفاوض مع كل طرف على حدة.

لكن تجدر الإشارة إلى أن المفاوض الشمالي محدود الصلاحية جدا ويتحرك في حدود ضيقة جدا ويفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقلالية ومحروم من إقامة العلاقات الشخصية الخاصة مع نظرائه ولهذا يضطر إلى أن يكون صلبا.

وعندما تستدعي اللحظة الحرجة يبدي مفاوض بيونغ يانغ مرونة لا تكون مجانية أبدا وهي مؤقتة تخضع لحسابات دقيقة لا تقدم للخصم مباشرة بل إلى الحليف فيكون ثمنها مضاعفا لخدمة أهدافه التفاوضية.

"
المفاوض الكوري الشمالي يحاول في كل جولة  الاحتفاظ بما حققه من إنجازات والتملص من الالتزامات والتعهدات التي فرضت عليه والعودة إلى نقطة الصفر للتفاوض على مطالب جديدة
"
المفاوض الكوري الشمالي يحتفظ أيضا بثقة عالية بالنفس والحس الوطني الرفيع ويفاوض بثورية يعرف متى يهاجم ومتى يدافع ولا يقدم أية تنازلات خطيرة ومهينة قد تؤدي إلى اهتزاز صورة النظام.

ومن خلال المحادثات تحاول بيوينغ يانغ انتهاز كل فرصة للتأكيد على أنها المتحكمة في المسار التفاوضي بوجود الورقة الرابحة لديها وهي في هذه الحالة التخلي عن السلاح النووي.

وتحدد كوريا الشمالية أيضا ذروة التوتر أو الاسترخاء التفاوضي كما حدث في الجولة الأخيرة ببكين برفض التخلي نهائيا عن السلاح النووي ثم الموافقة على ذلك مقابل ضمانات أمنية واقتصادية لمساعدتها في كافة المجالات وعلى الأخص مجال الطاقة والنفط.

في سبيل تحقيق أكبر قدر من المكاسب لا يفشي المفاوض الكوري الشمالي كل مالديه وهو في كل جولة يحاول الاحتفاظ بما حققه من إنجازات في الجولة السابقة والتملص من الالتزامات والتعهدات التي فرضت عليه، والعودة إلى نقطة الصفر للتفاوض على مطالب جديدة.

وتحرص بيونغ يانغ خلال هذه الأزمة على عدم الانصياع للتهديدات بل ترد عليها بأشد منها حفاظا على ماء الوجه أمام العالم.

وأظهرت الوفود الكورية الشمالية خلال المفاوضات النووية قدرة فائقة على التحمل وإحراق أعصاب الخصم، خاصة وأن الشطر الشمالي من الجزيرة الكورية متحرر أيضا من ضغوط قوى المعارضة والرأي العام، لكنه يسخر أي نجاح لخلق التفاف جماهيري أكبر حول النظام.

وفي المقابل تدفع كوريا الشمالية الطرف الأخر للزج بكافة طاقاته وتخصصاته عبر شغله بعناصر وقضايا متفرقة تحتاج إلى توافق مراكز صنع القرار المختلفة، ومحاولة إيجاد نقاط خلاف بين تلك المراكز. ويعفي مفاوض الشطر الشمالي نفسه من هذه الإرباكات كون القرار لديه مركزيا يصدر عن جهة واحدة.




_______________________
مراسل الجزيرة

المصدر : الجزيرة