سمير شطارة - أوسلو

الحديث مع نجم الدين فرج أحمد المعروف بـ"الملا كريكار" في بيته له طعم خاص، فنكهة الشاي الكردي والقهوة النرويجية وابتسامات وجهه تنسيك أنك تحاور أحد ألد أعداء الإدارة الأميركية، فضلا عن أنه كان إحدى الذرائع التي قدمتها الولايات المتحدة لغزو العراق.

تواضع مسكنه وحرارة استقباله وكرمه مع ضيوفه تنسيك وقوف كولن باول أيام كان وزيرا للخارجية إبان غزو العراق عندما أكد أن الملا كريكار مؤسس جماعة أنصار الإسلام هو حلقة الوصل بين صدام حسين وأسامة بن لادن.

بعض النرويجيين يعتبرونه إرهابياً والبعض الآخر يقول إن أخطر ما يحمله هو أفكاره ومعتقداته. وما زالت دول عربية وغربية تلاحقه، وقد قادته قاعات المحاكم إلى دهاليز كثيرة ومنعطفات أجلسته على كرسي الادعاء بعد أن قضى ردحاً من الزمن في قفص الاتهام، وهو مهدد اليوم بالإبعاد عن النرويج التي منحته حق اللجوء السياسي بسبب الاتهامات الأميركية ضده. وفيما يلي نص الحوار:

ما هي الأبعاد القانونية لقضيتك؟ وهل يسمح القانون النرويجي بطرد شخص منح الإذن بالإقامة، خاصة وأن قبول اللجوء لا يتأتى إلا بعد متابعة استخبارية ومعرفة عميقة بماضي وحاضر من يمنح هذا الحق؟

بعد حصول اللاجئ السياسي في النرويج على حق الإقامة الدائمة، يحصل على مجموعة من الحقوق الإضافية كحق الانتخاب ويأمن من الطرد مثلا، هذا ما حصلت عليه قانونيا، ولكن الظروف المحيطة بالمسلمين في الغرب تغيرت -كما تعلمون- بعد أحداث سبتمبر وصدور القوانين المطاطية حول الإرهاب.

فحاولت الحكومة النرويجية -إرضاء للولايات المتحدة- إقحامي بصورة تعسفية في موضوعة الإرهاب، لكنها لم توفق سابقا، فحاولت هذه المرة الضرب على وتر الخطورة على أمن البلد وأن وجودي يشكل تهديدا له.

"
أدافع عن حقوقي في محاكمهم كما يدافع الغربي، وأصبر الآن كما يصبرون، وإذا انتهى صبري سأتحرك كما يتحرك الشرقي
"
إلى أن أصدرت وزيرة شؤون البلديات التي تشرف على أمور اللجوء في شباط/فبراير 2003 قرارا بإبعادي من النرويج، ولكن لم يكن أمامهم خيار سوى إبعادي إلى المنطقة التي كانت جماعة أنصار الإسلام تسيطر عليها في كردستان العراق.

وكان من المتعذر الوصول إلى تلك المنطقة، وفي المقابل قدمتُ -عن طريق المحامي- شكوى طعن ضد قرار الوزيرة، وهي بدورها أيضا رفعت قرارها لجهات أخرى (لجنة عليا مختصة بالبت في أمر اللاجئين النهائي)، فتم تأييد قرارها وأصبح أمر الإبعاد محتوما في مايو 2005 ولكني طعنت مرة ثانية في القرار باعتباره حقا قانونيا لي.

أما الإجراءات الاستخبارية التي عادة ما تسبق منح الشخص الإذن بالإقامة فهذه كلها حصلت معي، لأنني أولا جئت إلى بلادهم عن طريق الأمم المتحدة، أي أن ملف قضيتي سبق وأن أرسلته إليهم عبر الأمم المتحدة، درسوه ثم وافقوا على حق لجوئي.

 وبعد مجيئي إلى بلادهم حققت معي الشرطة المدنية في 1992 والمخابرات في 1993، وأعلمتهم بعودتي إلى كردستان ومن أنا وماذا أحمل من أفكار ورؤى، فأنا لم أخفِ عنهم شيئا.

بل حتى تنقلاتي الفكرية والحزبية من الحزب الديمقراطي الكردستاني سابقا إلى صفوف الحركة الإسلامية لاحقا وعضويتي في مجلس شوراها؛ لم أخفِ عنهم منها شيئا، حتى المطويات التي كنا نطبعها لجمع التبرعات وكذلك حساباتنا البنكية وأسفاري كنا نعلمهم بها.

 ولكن إثارة الموضوع ضدي وبهذه الصورة ما هي إلا جزء من الحرب الدائرة على الإسلام وأهله باسم محاربة الإرهاب.

هذا إضافة إلى استغلال المناصب والقضايا لاستحقاقات انتخابية هنا أو هنالك (انتخابات النرويج ستكون في الأسبوع الثاني من سبتمبر 2005)، فموضوع سحب حق اللجوء مني وإبعادي من النرويج أصبح من القضايا المعقدة الطويلة في المحاكم ومكاتب الأحزاب ومؤسسات الحكومة.

 ولي بفضل الله تعالى محام بارع له نفس أطول من نفسي، وهو وراءهم حتى في دهاليزهم المخفية وكهوفهم المظلمة التي يأوون إليها عند الفشل، كما يسميها المحامي.


والآن إلى أين وصلت قضيتك بعد الطعن في قرار ترحيلك؟

قالت القاضية في نهاية الجلسة الأخيرة من جلسات المرافعة في المحكمة في الأسبوع الأخير من شهر يونيو/حزيران الماضي وبعدما اكتمل الملف نسبيا أمامها إنها تنظر في القضية وستعلن قرارها في النصف الثاني من شهر سبتمبر من العام الحالي.. ونحن ننتظر.

وفي حال صادقت المحكمة على قرار الترحيل، فما السيناريوهات المطروحة أمامك؟

"
ليس لي أي ارتباط بجماعة أنصار الإسلام، وما يسمى اليوم بأنصار السنة ليست هي أنصار الإسلام الكردية السابقة
"
لن استسلم لأي قرار يصدر بتسليمي إلى العراق من أية جهة كانت، ومهما كان مبرر صاحب القرار، لأنه يعني تعرضي للتعذيب والموت المؤكد، لذلك يجب أن يعلم الجميع أن أمر تسليمي إلى العراق جريمة لا ينبغي أن تمر دون عقاب، لأنني جئتُ إلى هذه البلاد من باكستان التي كانت آمنة نسبيا على حياتي (رغم تعرضي لمحاولات اغتيال)، وجئت عن طريق الأمم المتحدة، ومملكة النرويج وافقت على مجيئي والإقامة فيها قبل سفري إليها.

ثم إني لم أرتكب جريمة في بلادهم، فلم أقتل أحدا ولم أسرق مالا، ولم أشارك في جريمة ضد أي شخص؛ ليس فقط هنا أو في أوروبا بل في الشرق عامة وفي بلادي خاصة وفي حياتي كلها، ثم إنني استجوبت مرارا وبصورة مباشرة من قبل المخابرات الإيرانية والهولندية والأميركية والألمانية والإيطالية إضافة إلى النرويجية، وصارت لي هذه التحقيقات مثل وظيفة دون راتب! فكيف يمكن لسياسي أن يلعب بحياتي ليحقق مآرب مراهقته السياسية.

أنا الآن -متوكلا على ربي- أدافع عن حقوقي في محاكمهم كما يدافع الغربي، وأصبر الآن كما يصبرون، وإذا انتهى صبري سأتحرك كما يتحرك الشرقي.


وكيف يتصرف الشرقي؟

أمتنع عن التعليق.

في بداية مرافعاتك بالمحكمة قمت بتقبيل القرآن، وهو ما فسره البعض بأنه تحد منك أو بالأحرى استفزاز لبعض القوى النرويجية، فما حقيقة الأمر؟

"
عند تفجير سيارة مفخخة في سوق أو أمام مدرسة أو مسجد ففتش عن الأيادي الاستخبارية الخفية الكافرة وراءها، فقد فجرت خمس كنائس وقتل فيها 12 شخصا!! وهذا ليس من عمل المقاومة
"
تفسير غريب! وما هي مصلحتي في استفزاز قوى نرويجية؟! وما هي النتيجة الإيجابية لهذا الفعل على قضيتي وعلى المسلمين في النرويج؟ لا، لم يكن الأمر كذلك.

وقد كان من المقرر أن تكون جلساتنا في المحكمة في 28/5، وفي تلك الأيام قررت كثير من الجماعات الإسلامية أن يخصص يوم 27/5 من كل عام ليكون "يوم تقديس القرآن" ردا على ما ارتكبه الأميركيون الكفار المحاربون في غوانتانامو.

وقد أردت أن أشارك إخواني في كل مكان في التعبير عن موقفي. والطاغوت الأرعن رمسفيلد -المسؤول عن حرب المسلمين- كان في النرويج في نفس اليوم الذي كنا فيه في المحكمة. وبما أنني الآن لست في مسجد أو منبر أو تجمع أو مظاهرة! فقلت على أقل تقدير أشعر أعداءنا الأميركان وغيرهم أن قرآننا دستورنا ولن يهدأ لنا بال حتى نراه ينتفض حيا فينا يحكم، ونحن المستضعفين نستظل بظله من جديد.

ما مدى ارتباطك الآن بجماعة أنصار الإسلام التي أسستها، خصوصا وأنها أدرجت على قائمة المنظمات الإرهابية لدى الإدارة الأميركية؟.

ليس لي أي ارتباط بجماعة أنصار الإسلام، حيث انقطعت صلتي بها منذ 17/5/2002، وما يسمى اليوم بأنصار السنة ليست هي أنصار الإسلام الكردية السابقة.

وفي تقديرك الشخصي ما الذي تبقى من جماعة أنصار الإسلام في العراق؟ وهل ما زال لها نشاط عسكري بعد أن تلقت ضربة قوية من القوات الأميركية عام 2003؟

"
لا يجيز عاقل قتل شرطي يحرس الأسواق ليلا من السرقة، لكن القتل يشمل من أعان المحتل على المجاهدين ولو بشطر كلمة
"
بعد الضربة الصاروخية الأميركية التي تلقتها أنصار الإسلام في 19/3/2003 (حيث استشهد على أثرها ستة من إخواننا فقط) ثم ما تلاها من قصف طيران مكثف لمدة ثمانية أيام (استشهد من جرائه أكثر من ثمانين مجاهدا) تفرق الجمع في الجبال والوديان والقرى الحدودية العراقية والإيرانية.

 تم اعتقال أكثر من خمسين آخرين منهم لدى الاتحاد الوطني الكردستاني (برئاسة جلال الطالباني)، وأكثر من ثلاثين اعتقلوا في إيران (حكمت إيران على 12 منهم بالسجن مدة سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات، ومازالوا في السجون).

ثم ازدادت الاعتقالات العشوائية عند الاتحاد الوطني (بلغوا 380 شخصا)، ثم عند الحزب الديمقراطي الكردستاني (بزعامة مسعود البرزاني) فيما بعد (بلغوا الآن أكثر من ألف إسلامي!).

أما الذين قدر الله لهم النجاة فاستطاعت قيادتهم جمعهم من جديد في المدن العراقية السنية، ويبدو لي أن بعضهم اختار العمل مع أبي مصعب الزرقاوي منذ أن كان اسم مجموعتهم "التوحيد والجهاد"، ولكن الأغلبية اختارت -كما يبدو- العمل مع العرب السنة العراقيين وتشكل منهم -أكرادا وعربا- ومن غيرهم جماعة أنصار السنة.

أما نشاطهم العسكري فالحمد لله لم يتوقف، لأن بعضا من الذين نجوا من القصف الأميركي انتقموا لدماء إخوانهم من الأميركيين خير انتقام في الموصل وغيرها، خصوصا في العمليات الاستشهادية والسيارات المفخخة، ولم تزل ضرباتهم موجعة بفضل الله.

استشهد أو أسر نصف قيادة الأنصار القديمة ونحو ثُمن كوادر الوسط (من العسكريين والأمنيين والتنظيميين)، ولكن بعد سقوط النظام الكافر ورغم الاعتقالات، عوض الله الجماعة ضعفين أو أكثر.

كيف تقيّم ما يجري في العراق؟، خصوصا فيما يتعلق بالمقاومة، هل تصنف كل أعمال التفجيرات في العراق على أنها مقاومة مشروعة، أم أنك تميز بين مقاومة الاحتلال الأميركي والعمليات ضد الشرطة والمدنيين العراقيين؟

ما يجري في العراق من مقاومة المحتل الكافر عبادة جهاد لا غبار عليه، سواء أقام بها عراقيون أم غيرهم، ولا ينبغي أن يعلو صوت فوق صوت المقاومة، أما التفجيرات التي تحصل فبإمكان المرء أن يصنفها.

وأنا أعتقد أن العمليات الاستشهادية التي يقتل فيها منفذها لا يقدم عليها إلا صاحب إيمان راسخ، فالبعثي لم يفعل مثل ذلك يوم كان طاغوتهم يحكم والمحتل على أسوار بغداد.

أما تفجير سيارة مفخخة في سوق أو أمام مدرسة أو مسجد ففتش عن الأيادي الاستخبارية الخفية الكافرة فيها، فقد فجرت خمس كنائس وقتل فيها 12 شخصا!! فهذا ليس من عمل المقاومة.

الجهاد -كما قال العلماء- يكون فرض عين عندما يدخل الكفار بلدة لنا، ويكون قتال من أعان الكافر من المسلمين وغيرهم من جنس جهادهم، وهنا لا يميز من أعانهم بلباس أو شارة، كما لا يميز باللغة أو الجنس.. كأن نقول هذا مدني وذاك موظف وذلكم خادم.. بل من أعانهم.

فهل يجيز عاقل قتل شرطي يحرس الأسواق ليلا من السرقة؟! أو موظف في وزارة النفط؟! لا، لكن القتل يشمل من أعان المحتل على المجاهدين ولو بشطر كلمة.

هل تؤيد نقل المعركة إلى الخارج، مثل التفجيرات التي ضربت لندن وقبلها مدريد، وبخاصة أن وزير الدفاع الأميركي رمسفيلد رفض ربط تفجيرات لندن بحرب العراق؟

"
أعتقد أن الجهاديين لن يهدأ لهم بال حتى يرون دار الإسلام يحكمها خليفة مزين بسيف صلاح الدين وعمامة محمد الفاتح وبرؤية أسامة بن لادن
"
هو عليه أن يكذب -مثل غوبلز- حتى يصدقه الناس، وإلا فمن له أذنا بشر يعلم أن هذه التفجيرات مرتبطة كليا بسياسة توني بلير الخارجية، خصوصا ارتباطه العضوي بسياسة جورج بوش، وإلا فلم لا تقع مثل هذه التفجيرات في السويد أو بلجيكا أو النمسا التي تعشعش العنصرية فيها أكثر من غيرها.

أنا أعتقد أن العالم كله يجب أن يدرك أن هذا الاتجاه السلفي الجهادي -الذي يزداد يوميا كماً ونوعاً بفضل الله- يمثل الانتماء العقائدي للأمة المسلمة، وأهله لا يرتبطون بأرض، سواء ولدوا فيها أو هاجروا إليها، بل بعقيدة يؤمنون فيها بأن خالقهم ومالكهم سيحاسبهم يوم القيامة على ثوابتها.

وكل تشعبات ولاء هؤلاء وبرائهم منبثقة منها، وأنا أعتقد أنهم لن يهدأ لهم بال حتى يرون دار الإسلام يحكمها خليفة مزين بسيف صلاح الدين وعمامة محمد الفاتح وبرؤية أسامة بن لادن.
_______________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة