أطفال الإيدز في ليبيا.. مأساة إنسانية وتعقيدات سياسية
آخر تحديث: 2005/8/31 الساعة 14:18 (مكة المكرمة) الموافق 1426/7/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/8/31 الساعة 14:18 (مكة المكرمة) الموافق 1426/7/27 هـ

أطفال الإيدز في ليبيا.. مأساة إنسانية وتعقيدات سياسية

الطفل محمد عبد الهادي قبل الإصابة وبعد الإصابة (قدس برس)


عادت قضية الممرضات البلغاريات المتهمات بحقن 400 طفل ليبي بفيروس مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، لتطفو على سطح الأحداث مجددا، بعد أن شهدت هدوء نسبيا في الآونة الأخيرة.

ومع اقتراب كل موعد جديد للمحكمة الليبية، للنظر في أحكام الإعدام الصادرة في حق خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني، ينشط البلغاريون وحلفاؤهم من الأوروبيين والأميركيين، وتنشط معهم لغة الضغط الدبلوماسي على القيادة الليبية. ويتم ذلك عبر رسائل يحملها في كل مرة عدد من زوار خيمة العقيد معمر القذافي، الذي لم يألو جهدا في إقناع الآخرين، بحساسية موقف دولته بالنسبة لأهالي وأسر عائلات الأطفال المصابين.

وفي آخر تطور لفصول القضية، التي من المقرر أن تحسم آخر جلساتها في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، أعلنت أسر الأطفال رفضها للمساعدات البلغارية، التي جاءت على لسان رئيسها جورج بارفانوف عندما أعلن إنشاء منظمة أهلية غير حكومية لتقديم الدعم الصحي والطبي، لمرضى الإيدز من الأطفال الليبيين.

وبحسب الرئيس البلغاري فإن هناك خطة لمساعدة الممرضات البلغاريات المحكوم عليهن في رأيه "ظلما"، موضحا أن هناك محاولات لبدء الحوار مع جمعية أولياء الأطفال المصابين في ليبيا بهدف خلق الثقة بين الطرفين، وليس لإعلان استعداد الطرف البلغاري لدفع تعويضات مالية لأولياء الأطفال، الأمر الذي يعني أن القضية بدأت تدخل معتركا صعبا مع تعنت البلغار ورفضهم قبول دفع أي دية للأطفال، ورفض أسر الأطفال مبدأ التعويض أيا كان طبيا أو ماديا.

إسلام محمد الحوتي من أطفال الإيدز (قدس برس)

تعقيدات سياسية
ويرجع كثير من المراقبين إصرار الموقف الرسمي للسلطات الليبية على عدم الاستسلام للضغوط الغربية المعلنة التي تمارس عليه من أجل إطلاق سراح الممرضات، في أكثر من مناسبة، إلى حساسية الملف وتعقيده إذ تعد قضية الإيدز أخطر مشكلة يواجهها النظام في تاريخه.

ويشير مراقبون إلى أنه ليس بإمكان الدولة أن تتجاوز هذا الملف بقرار سياسي منفرد يصدر من قيادتها، كما فعلت مع ملف تعويضات لوكربي وقضية تسليم أسلحة الدمار الشامل، وذلك بسبب ارتباط القضية بـ400 ضحية، يلقون تأييدا من أغلب أبناء الشعب، وتعاطف مالا يقل عن 10 آلاف ليبي، هم حسب تقديرات المطلعين من أقارب وأصدقاء العائلات المتضررة بشكل مباشر. ففي كل حي تقريبا هناك مصاب بالإيدز، وفي كل مدرسة هناك طفل محقون، مما سيؤدي، حسب رأي المتابعين، إلى خلق اضطرابات حقيقية داخل الشارع إذا ما حاولت السلطات غض الطرف عنه أو تجاوزه عبر صفقة سياسية لا تخدم مصلحة الأطفال.

ويدلل هؤلاء المراقبون بما حدث في بداية عام 2005، عندما أعلنت الأسر إضرابا عن الطعام بسبب الإهمال الذي يتعرضون له من قبل مؤسسات الدولة الصحية، ففزعت القيادة الليبية لتهدئة الموقف ووعدت بحل جميع مشكلاتهم في وقت قصير.

أما بالنسبة للموقف الغربي المطالب بإطلاق سراح البلغاريات فلم يلق أي تعاطف من الأسر المتضررة.

بل على العكس ثمة شعور بالغضب تجاه الأوروبيين والأميركيين الذين لا يقصدون طرابلس، حسب قول الأهالي المتضررين، إلا من أجل المطالبة بإطلاق سراح مواطناتهم، وممارسة الضغوط على القضاء الليبي دون تكليف أنفسهم بزيارة الأطفال أو إبداء أي تعاطف تجاههم مما يجعلهم أكثر إصرار على تنفيذ الأحكام.

ويشير إدريس لاغا المتحدث باسم جمعية الأطفال المحقونين في مدينة بنغازي (شرق ليبيا) إلى أن الأوروبيين ينافقون أنفسهم عندما يطالبون الدول بمبدأ احترام القوانين وحقوق الإنسان، في الوقت الذي لا يقيمون فيه أي اعتبار لقضاء الدول وضحاياها.

التفاوض مع أولياء الدم
يشير بعض المحللين إلى أن وقوع الحكومة الليبية بين ابتزاز الأوروبيين والأميركيين المطالبين بالإفراج عن المتهمات مقابل مزيد من الانفتاح السياسي والاقتصادي، وضغوط الأهالي المصرين على تطبيق أحكام القضاء، التي تنص على الإعدام رميا بالرصاص، دفع طرابلس في التفكير في مخرج ثالث، يقوم على مبدأ التراضي بين الأسر (أولياء الدم) وبين المتهمات ومن يمثلهن وذلك قبل الموعد النهائي لمحكمة الاستئناف المقرر انعقادها في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

ولاشك بأن ضغوطا قوية تمارسها ليبيا حاليا على أهالي الأطفال الرافضين، حتى الآن، للتنازل عن القضية والرضوخ لمطلب التفاوض مع الغرب من أجل أن تخرج نفسها من مأزق، يعتقد البعض بأنها كانت السبب المباشر وراءه، عندما أهملت مؤسساتها الصحية وسمحت لجهات طبية أجنبية بتلويث دم أطفالها بأشد مرض عرفته البشرية قتل بسببه حتى الآن 50 من أطفالها.

وبين موقف الغرب المطالب بإطلاق سراح البلغاريات والمشكك في مصداقية قضاء الدولة الليبية وموقف الأهالي المصرين على تنفيذ الأحكام وعدم قبول أي تعويض، يظل موقف حكومة طرابلس مترنحا بين خيارين خيار الغرب وجنة الفردوس التي يعد بها، أو خيار الأطفال المحقونين وجنة الخلد التي يرحلون إليها واحدا تلو الآخر.. وللقضاء الليبي كلمة الفصل الأخيرة.

المصدر : قدس برس