تثير استقالة السفير السعودي بواشنطن الأمير بندر بن سلطان كثيرا من الأسئلة حول مغزاها وتوقيتها وتداعياتها، خاصة أنه ظل في منصبه أكثر من عقدين تمكن خلالها من الارتقاء بالعلاقات من البعد الثنائي والدبلوماسي إلى المستوى العائلي بين الأسر الحاكمة في البلدين.
 
كما أن استقالة بندر الذي ما زال في عنفوان فعاليته الدبلوماسية والتي تم إيعازها رسميا إلى ظروف شخصية، تفتح باب التكهن على مصراعيه بالنسبة لمستقبل واحد من أكثر الوجوه البارزة في الأسرة الحاكمة بالمملكة.
 
وما يعزز هذه التساؤلات هو الوزن الثقيل الذي اكتسبه الأمير بندر طيلة رحلته الأميركية التي نسج خلالها شبكات واسعة من العلاقات في جميع مناحي الحياة الأميركية وطور علاقات استثنائية مع جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ليتحول بالتالي إلى أحد أطراف السياسة الخارجية الأميركية في كثير من القضايا الإقليمية.
 
وقد تجلى وزن الأمير بندر في العلاقات بين الرياض وواشنطن من خلال الدور الذي لعبه للتأثير على حكومة بلاده من أجل استعمال القوات الأميركية للأراضي السعودية في حرب الخليج عام 1991 لتحرير الكويت من العراق.
 
وبعد نحو عقد من الزمن عاد بندر ليكون ذراعا في السياسة الخارجية لواشنطن خاصة في حربها على ما تسميه الإرهاب إذ حاول أن يحشد مشاركة عربية حقيقية وواضحة في ذلك التوجه.
 
هذا الدور الجديد للأمير بندر لا يمكن فصله عن تداعيات هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 والهجمة الإعلامية الشرسة التي شنتها بعض الأوساط الأميركية على علاقة الأسرة الحاكمة في السعودية بتلك الأحداث، خاصة أن معظم منفذي التفجيرات يحملون الجنسية السعودية.
 
لهيب تلك التفجيرات الذي امتد إلى الرياض أعاد الأمير بندر إلى الواجهة لضمان استمرارية ما تصفه صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية بأنه "علاقة زواج مبنية على النفط والأمن بين مجتمع ديمقراطي ومنفتح من جهة ومملكة متكتمة وغير ديمقراطية من جهة ثانية".
 

بندر يطمح لأدوار جديدة في بلاده (رويتز-أرشيف)

أسباب وأدوار

تبرير الاستقالة بظروف شخصية لا يغدو كونه لغة مغرقة في الدبلوماسية نظرا للمهام التي كان يضطلع بها الأمير والتي ظلت تفوق بكثير مهامه الرسمية كسفير، إذ كان البعض يرى فيه الوزير الحقيقي للخارجية السعودية بالنظر إلى تأثير العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية على التوازن في المشرق العربي.
 
بعض الأوساط الإعلامية تربط الاستقالة باستياء الأمير بندر بعد أن فشلت مساعيه للظفر بمناصب أخرى داخل أجهزة السلطة في المملكة، وبعضها الآخر يرى في ذلك إشارة من الرياض إلى عدم ارتياحها لسياسة واشنطن اتجاهها.
 
من جانبه لم يستبعد رئيس تحرير صحيفة القدس العربي عبد الباري عطوان في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت أن تكون استقالة بندر "سياسية واحتجاجية"، خاصة بعد أن عين ولي العهد السعودي الأمير عبد الله مستشاره للشؤون الدبلوماسية عادل جبير كمحاور للحكومة الأميركية ومخاطب لوسائل الإعلام الأميركية والبريطانية.
 
بعض المتتبعين فسر استقالة بندر وتعيين الأمير تركي الفيصل خليفة له بكونها مجرد عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية في توزيع الأدوار داخل أجنحة العائلة المالكة بإعادة تمكين جناح الفيصل من بسط كامل نفوذه على وزارة الخارجية.
 
لكن جهات أخرى تذهب بعيدا لترى في نهاية الرحلة الأميركية للأمير بندر جزءا من سيناريو جديد في العربية السعودية مفاده أن يتولى الأمير عبد الله مقاليد الحكم في المملكة في حال وفاة الملك فهد بن عبد العزيز وأن يعين الأمير سلطان بن عبد العزيز وليا للعهد، ما يعني أن المسافة بين بندر وعرش المملكة قد تبدأ في التقلص.
________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة