برز موضوع الحجاب مؤخرا في صدارة جدالات العمل الإعلامي في أكثر من بلد عربي، وطرحت إشكالية ظهور مذيعات بغطاء الرأس كالتزام ديني جدلا واسعا وحالة من الاستقطاب وتجاذبا قويا في ساحات قضائية وبرلمانية ونقابية.
 
ففي مصر لا زالت ثلاث مذيعات يواصلن معركة قضائية بدأنها منذ تقدمن بدعوى في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 ضد التلفزيون المصري، كي يعود عن قراره بمنعهن من الظهور على شاشاته بعد ارتدائهن للحجاب.
 
وفي الأردن رفعت المذيعة نوف التميمي أوائل هذا الشهر دعوى قضائية ضد إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لدى محكمة العدل العليا لأن المؤسسة قررت نقلها للإذاعة بعد ارتدائها الحجاب.
 
محكمة القضاء الإداري بمدينة الإسكندرية شمال مصر أصدرت حكما قضائيا هذا الأسبوع يلغي قرارا بمنع ظهور مذيعات محجبات على شاشة القناة الخامسة، وتقول تقارير إن هذا القرار أنعش آمال 45 مذيعة محجبة ممنوعات من الظهور على شاشة التلفزيون في عدة قنوات رسمية مصرية.
 
ولكن المذيعات لا زلن في حالة ترقب انتظارا لما سيفعله التلفزيون الذي يحق له أن يتقدم لنقض الحكم. إحدى هؤلاء المذيعات صرحت في اتصال هاتفي للجزيرة نت بأنها متفائلة بسبب الحكم القضائي لأنه "صدر عن دراسة وافية ويشكل سبقا قضائيا في هذا الشأن"، وتقول غادة الطويل إنها تتوقع أن ترى مرونة في التعامل معها وزميلاتها بسبب تغير القيادات في التلفزيون.
 
مفارقات وجدالات
تأتي كبرى المفارقات في هذا الشأن من السويد حيث كان التلفزيون السويدي الرسمي أصدر قرارا عام 2003 يسمح لمذيعة بأن تظهر بالحجاب، وعلل القرار ذلك بأن السويد دولة تحترم الثقافات والديانات وأن الحرية الدينية مكفولة للجميع في القانون السويدي. وقد ظهرت المذيعة نادية جبريل السويدية من أصول فلسطينية محجبة في تلفزيون بلادها تقدم عددا من البرامج ذات الجماهيرية الواسعة.
 
"
فتوى الترابي تبيح للمذيعات العمل من دون حجاب، بل خفف التكليف بالنسبة للنساء المشهورات العاملات في التلفزيون وقال إنه يكفي أن "يكون اللباس محتشما وأنها شخصية محترمة"
"
تبدو المفارقة في الفتاوى الدينية في تباين الآراء واتساع الهوة بينها وكون بعضها مفاجئا لجماهير عريضة، فالدكتور حسن الترابي لم يعارض فكرة الحجاب للمذيعة لكن فتواه تبيح للمذيعات العمل من دون حجاب، بل خفف التكليف بالنسبة للنساء المشهورات العاملات في التلفزيون وقال إنه يكفي أن "يكون اللباس محتشما، وأنها شخصية محترمة".
 
في المقابل تصدر فتوى تنصح المرأة ألا تعمل مذيعة أصلا للدكتور خالد بن عبد الله القاسم عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، متذرعا بأن هذا من أعمال الرجال التي تبتذل فيها المرأة وتخرج أشبه ما تكون بالسلعة، وبخوف الفتنة على الرجال و"الوقوع في النظر المحرم بإجماع العلماء".
 
وعندما لجأت المذيعات المحجبات في مصر إلى مفتي الجمهورية في يوليو/ تموز 2004م، رد بفتوى رسمية بأنه يجوز شرعا عمل المرأة بالتلفزيون. أما عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف جمال قطب فقد أفتى بأنه "إذا كانت ظروفها الاقتصادية تستدعي استمرارها في العمل من دون حجاب فإن وزرها يكون على صاحب هذا القرار، سواء كان وزيرا أو صاحب عمل خاص".
 
تجاذبات سياسية
ليس بغريب أن يتخذ حجاب المذيعات قضية سياسية لإرسال دلالات بين تيارين متنافسين سياسيا، ففي مصر يعتبر نواب في طلبات إحاطة لوزير الإعلام أنس الفقي -منها طلب من النائبة المحجبة فايزة الطهناوي- أن منع قرابة 30 مذيعة محجبة من الظهور على الشاشة حرب غير معلنة على الحجاب، ويشن نواب من كتلة الإخوان المسلمين بالبرلمان حملة شرسة على وزارة الإعلام بسبب موقفها "المتعنت" من المذيعات المحجبات، مطالبين "بوقف حربها على الحجاب".
 
"
وزير الإعلام المصري السابق قال إنه لا يوجد قرار بمنع المحجبات من العمل في التلفزيون
"
في المقابل قال وزير الإعلام السابق الدكتور "ممدوح البلتاجي" في بيان أمام لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان المصري في مارس/ آذار 2005م إنه لا يوجد قرار بمنع المحجبات من العمل في التلفزيون.
 
ثم تقول إحدى هؤلاء المحجبات وهي رانيا رضوان المذيعة بالقناة الخامسة المصرية نفسها إن الدكتور هاني جعفر رئيس القناة الجديد متفهم للوضع الذي أصبحت فيه هي وزميلاتها المحجبات بالقناة، حيث أعاد لهن حقوقهن الضائعة منذ ارتدائهن الحجاب وذلك بناء على تعليمات وزير الإعلام أنس الفقي.

وفي الأردن أعلن الإسلاميون تبنيهم لقضية المذيعة نوف التميمي، بينما تؤكد مديرة البرامج في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون سمر خير أنه لا علاقة بين القرار وارتداء نوف للحجاب، مبينة أن قرار نقل خمسة من المذيعين والمذيعات من التلفزيون للإذاعة كان قانونيا وصحيحا وجاء لأسباب فنية.

الظاهرة منذ البداية
ترجع بدايات قضية المذيعات المحجبات إلى العام 1970 حيث قررت المذيعة كريمان حمزة ارتداء الحجاب وسمح لها فيما بعد بإعداد برنامج غير دوري ذي طابع ديني وظلت تقدم برامج دينية عديدة وهي في زي الحجاب.

لكن التلفزيون المصري نفسه منع العديد من المذيعات من الظهور بعد ارتدائهن الحجاب، المذيعة "كاميليا العربي" التي كانت تقدم برامج أطفال منعت قبل 10 سنوات من تقديم البرامج بالتلفزيون المصري بعد أن ارتدت الحجاب وأحيلت لعمل آخر، ما دفعها لتقديم استقالتها، وبعدها منعت المذيعتان "داليا شيحا" و"داليا خطاب" من قناة "نايل تي في".
 
ثم أصبح حجاب المذيعات ظاهرة منذ العام 2002 عندما قررت المذيعات الخمس بالقناة الخامسة المصرية لبس الحجاب، فمنعن من تقديم برامجهن لهذا السبب. وفي العام التالي 2003 ارتدت ست مذيعات أخريات الحجاب ما أدى إلى حرمانهن من الظهور على الهواء.
 
محجبات أخريات
ولم يثر ظهور المذيعة القطرية إلهام بدر محجبة في أول نشرة تبثها قناة الجزيرة عام 1996 أي جدل حيث لم تطرح هذه القضية بالنسبة للمذيعة الخليجية بسبب الصبغة المحافظة للمجتمعات الخليجية، ومنذ ظهور تلفزيونات دول الخليج لم يناقش حجاب المذيعة لديها كإشكالية من أي نوع.
 
لكن عندما ظهرت المذيعة الجزائرية خديجة بن قنة بالحجاب في قناة الجزيرة نفسها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 طرحت القضية بقوة وسط تجاذبات واختلافات عديدة في الكتابات والتحليلات الإعلامية.
 

"
ظل حجاب خديجة بن قنة هو موضوع منتديات الإنترنت لفترة طويلة وتلقت 1400 رسالة تهنئة
"

أما على المستوى الجماهيري فقد كان غالب ردود الفعل لصالح حجاب المذيعة ووصفت خديجة رد فعل المشاهدين الإيجابي بأنه لا يصدق، إذ ظلت هواتف قناة الجزيرة -حسب خديجة- تتلقى المكالمات لوقت طويل كما استقبلت الجزيرة نت 1400 رسالة في يوم واحد وكانت "مهنئة وتبارك ارتداء الحجاب". بل ظل حجاب خديجة موضوعا لكثير من منتديات الإنترنت لفترة طويلة حتى إن بعضهم كتب قصائد مدح للمذيعة.
 
بطبيعة الحال انفردت المذيعة المحجبة بشاشة الفضائية الدينية "اقرأ" وكذلك قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني، ولكن قنوات أخرى غير "اقرأ" و"المنار" أصبحت تتقبل ظهور المذيعة محجبة مثل قناة "إم بي سي"، بل ظهرت مذيعة محجبة من قناة "اقرأ" على شاشة التلفزيون المصري نفسه من خلال برنامج "البيت بيتك".
__________________

المصدر : الجزيرة