محمد ولد عبد الرحمن-نواكشوط

في شوارع نواكشوط يتسول أطفال ليسوا من ذوي العاهات ولا هم من الفقراء المحتاجين بل هم من أسر اجتماعية مرموقة، يقفون منذ الصباح الباكر على ملتقيات الطرق والأماكن العامة.

لكن هؤلاء الأطفال لم يتكبدوا ذل المسألة من أجل دراهم يضعونها في جيوبهم أو يسدون بها رمقهم، إن قصتهم مع المسألة قصة تتعدد فصولها ويمتد تاريخها أمدا بعيدا.

يخرج هؤلاء الأطفال كل صباح من بيت معلم عهد إليه من طرف ذويهم أن يفقههم في الدين ويعلمهم التأويل ويحفظهم القرآن ويروضهم نفسيا وروحيا فالتسول وفق التقاليد الاجتماعية لدى هذا الشيخ وذوي هؤلاء الأطفال هو نوع من كسر كبرياء النفس وتمرينها على الكد وخفض الجناح.

"
التسول وفق تقاليد هؤلاء نوع من كسر كبرياء النفس وتمرينها على الكد وخفض الجناح
"
ويعود تاريخ هذه الظاهرة إلى الدولة (الفوتية) الأفريقية التي نشرت الإسلام في غرب أفريقيا، حيث كانت الأسر العريقة وخاصة من فئة (البولار) يحرصون على تعليم أبنائهم وتفريغهم لذلك منذ الطفولة الأولى، وكانوا يقولون للمعلم وهم يسلمون له أبناءهم أثناء حفل وداع منظم بالمناسبة (ائتنا به عالما أو ميتا).

ثم يذهب المعلم بالأطفال يشرف على تعليمهم وتأديبهم ويتولى أهل الحي أو القرية إطعام هؤلاء الأطفال من خلال صدقات يقدمونها يوميا تسلم لهم عندما يقرعون في الصباح الباكر أبواب المنازل، ويسمى هؤلاء الأطفال (طالبة) من كلمة الطلبة (بالعربية)، وقد ساهم هذا التقليد في نشر اللغة العربية والعلوم الدينية بين القبائل الأفريقية الواقعة على الحدود الموريتانية السنغالية وخاصة قبائل (البولار والوولف).

تغير الوضع
ومع شيوع ظاهرة التمدن ونزوح السكان من الأرياف إلى المدن الكبيرة أتت الرياح بما لا تشتهيه سفن هؤلاء الأطفال، فغاب التكافل الاجتماعي الذي كان يوفر لهم الغذاء والكساء، وبدأ التقليد ينحرف عن مساره المعهود.

وأصبح الكثير من هؤلاء الأطفال مستغلا أبشع استغلال من طرف معلمين جشعين، همهم الوحيد هو إرسال هؤلاء الأطفال الذين تخلت عنهم أسرهم يجمعون لهم الدينار والدرهم ويتعرضون للشتم والضرب إذا هم لم يجلبوا شيئا، بل إن بعض المعلمين يفرض عليهم يوميا مبلغا معينا يحصلونه وإلا تعرضوا للضرب والتنكيل والنكاية، بل أدهى من ذلك وأمر أن بعض الأسر الفقيرة صار يركب هذه الموجة ويعتد بهذا التقليد من أجل التخلي عن أبنائهم وفلذات أكبادهم.

وفي ظل هذا التردي ضاع المئات من الأطفال وحرموا من التربية والتعليم، بل أصبحوا عرضة للجريمة والمرض والتضليل والإغواء، كما هو حال الكثيرين ممن يهيمون على وجوههم في شوارع نواكشوط.

وقد تنبه بعض المنظمات الإنسانية لهذه الظاهرة ولكن بعضها أستغلها لصالح أهدافه الخاصة، بينما البعض الآخر بدأ يمد يد العون لهؤلاء الأطفال المشردين وينبه على وضعيتهم.

استغلال الأطفال
الباحث الاجتماعي في وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية السيد محمد ولد احميادة والذي قد أعد بحثا عن هذا الموضوع يقول إن هذه الظاهرة -رغم كونها ساهمت في الماضي في نشر العلوم الإسلامية- أخذت منحنيات أخرى خاصة في المدن وعواصم الولايات.

ويضيف الباحث الاجتماعي في حديث للجزيرة نت أن المصالح المختصة بالوزارة تصنف الأطفال المشردين في الشارع إلى أطفال منحرفين وأطفال في طريقهم للانحراف، وتعتبر أطفال (طالبة) من الصنف الذي هو على طريق الانحراف.

"
هناك قوانين سنت لصالح الأطفال المشردين مثل قانون يمنع استغلال وتشغيل الأطفال وقانون إجبارية التعليم،

"
وأشار إلى أن قوانين قد سنت لصالح الأطفال المشردين عموما تستهدف (أطفال طالبة وغيرهم) مثل قانون يمنع استغلال وتشغيل الأطفال وقانون إجبارية التعليم، إلا أن تطبيق بعض هذه القوانين على أرض الواقع يصطدم بعقليات ثقافية واجتماعية، لافتا الانتباه إلى أن ظاهرة (طالبة) معقدة وراسخة في طبائع وأذهان الفئات التي تمارسها وبالتالي فإنه من الصعب القضاء عليها رغم السلبيات المصاحبة لها.

وتنشط منظمات أجنبية في موريتانيا مركزة على مجال الأطفال وتولي عناية خاصة لأطفال الشارع المشردين الذين أصبح أطفال (طالبة) جزءا معتبرا منهم، ومن هذه المنظمات منظمة (كاريتاس) الكاثوليكية التي تقيم ملاجئ للأطفال في العاصمة نواكشوط، وتشرف على تربيتهم وتأهيلهم وفق برامجها.

وهنا يصبح ما يضحك ويبكي في آن واحد -في نظر الغيورين على هذه الظاهرة التي بدأت إيجابية ومفيدة - أن أطفال "طالبة" الذين ساهموا في نشر العربية والتعاليم الإسلامية في غرب أفريقيا يوجدون اليوم وبنفس الاسم وبذات التقليد في مهب رياح عاتية قد تلقي بهم بين أحضان الضياع أو براثن التنصير. _____________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة