عراقية تحمل قدرها بأمل الحصول على مياه نظيفة (الفرنسية-أرشيف)
 
مع اشتداد وطأة حرارة الصيف البغدادي اللاهب قفزت أزمة انقطاع المياه عن العديد من مناطق العاصمة لتضاف إلى الأزمات الكثيرة التي تعصف بالبلاد منذ غزوها واحتلالها عام 2003.

ورغم حجم المعاناة التي يسببها انقطاع مياه الشرب في جو الصيف الخانق في العراق وما يصاحب تلك المعاناة من نقمة العائلات في بغداد على الحكومة التي تحمل بدورها المجموعات المسلحة مسؤولية انقطاع مياه الشرب وتتهمها بتخريب شبكة الأنابيب الكبيرة التي تصل بغداد, فإن عدم توفر مياه الشرب هو أحد وجهي المشكلة.

إذ يبدو أن المشكلة المركزية لا تكمن في انقطاع المياه -رغم أهميتها- ولكنها تتمثل في نسبة التلوث التي تصل إلى العراقيين حتى قبل تفاقم مشكلة توقفها بالكامل في بعض الأحيان.

"
المشكلة المركزية لا تكمن في انقطاع المياه بل في تلوثها كذلك 
"

وبالنسبة لشح المياه فإنه بات مألوفا في كل حي وحارة من حارات بغداد أن ترى رجالا ونساء وأطفالا وهم يحملون القدور والأواني بحثا عن نقطة ماء تروي عطشهم.

وتتساءل أسماء العاني -وهي أم لأربعة أطفال- عن الكيفية التي تستطيع معها صنع الطعام لأطفالها دون وجود الماء. وقالت هذه السيدة العراقية للجزيرة نت إن المأساة بدأت بالتفاقم وإن العيش في هذه البلاد أصبح كارثة، وأعربت عن رغبتها بترك العراق والتوجه إلى أي مكان.

أما الوجه الآخر للمأساة فهو التلوث الذي بات سمة المياه في العراق وربما المشكلة الأكثر خطرا على المدى البعيد.

مسؤولو أمانة العاصمة بغداد ووزارة الصحة العراقية أبلغوا مواطنيهم عبر وسائل الإعلام العراقية بالتلوث وخطورته خصوصا مع انقطاع المياه. وناشد مدير الرقابة الصحية في وزارة الصحة واثق محمد يونس العراقيين غلي المياه قبل شربها، وأقر بأن نسبة التلوث في مياه الشرب كانت مرتفعة قبل توقف تدفق المياه ولكنها ستزداد مع هذا التوقف.

وأضاف المسؤول الصحي أن تشغيل المضخات المائية سيؤدي إلى سحب كميات كبيرة من المياه الجوفية والنضوحات الموجودة أصلا في التربة بسبب قدم الأنابيب التي تنقل المياه وتعرضها للتلف.

"
مع انقطاع المياه وتلوثها تكتمل حلقات المعاناة لتضاف إلى انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار والكثير الكثير من الأزمات التي تلف حياة العراقيين
"
وينظر الكثير من العراقيين بقلق لمشكلة التلوث ويعتبرونها موتا بطيئا لأنها تمس أمرا لا يمكن الاستغناء عنه كل يوم بل كل لحظة. ويسخر همام أركان -وهو مهندس عاطل عن العمل- من هذا الوضع بالقول "إني اقترح عليهم أن يتركوا مياه دجلة والفرات تدخل البيوت من غير تدخل منهم لأن تدخلهم في تصفية هذه المياه سيعني أمراضا جديدة وليس تقليلا للأمراض".

ويضيف قائلا "لو كنت أمينا لبغداد لنزلت إلى الشارع وأجبرت نفسي على شرب هذه المياه"، مشيرا إلى قطرات المياه التي تخرج من حنفية بيته. إن مجرد النظر بالعين المجردة لهذه المياه يدلك على أنها مياه غير صافية أبدا ولونها يميل إلى لون التراب وهو ما يعني وجود مواد ملوثه فيها أو على أقل تقدير فإنها لم تخضع لعمليات تعقيم.

وتشير ترجمة مأساة العراقيين إلى لغة الأمثال الدارجة لذلك القول المعروف "مصائب قوم عند قوم فوائد" حيث يسارع الآلاف في بغداد بعد انقطاع المياه لشراء المياه المعدنية على أمل الحصول على مياه للشرب أو مياه نظيفة باتت عزيزة. ورغم أن هذا الخيار سيوفر بعض المياه للعراقيين فإن أسعار المياه المعدنية مثلها مثل أي مادة تجارية قفزت بفعل الطلب لتحقق مستويات الضعف قبل الأزمة الحالية، وهو أمر فوق قدرة الكثير من الناس.

وهكذا تكتمل حلقات المعاناة بانقطاع المياه لتضاف إلى انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار والكثير الكثير من الأزمات التي أصبحت هواء العراقيين الذي يتنفسونه.

المصدر : الجزيرة