حرم أباطرة الصين القدامى دخول العامة المدينة المحرمة وسط بكين إلى أن فتحت أبوابها بعد رحيل الإمبراطور الأخير بو إي وتأسيس الجمهورية، وأصبحت تشكل أحد أهم المعالم السياحية في العاصمة الصينية.

لكن فكرة التحريم بقيت متأصلة على ما يبدو لدى الصينيين حيث اتخذت مدينة داليان الساحلية شمال شرق الصين قرارا هو الأول من نوعه بتحريم التسول في ميادينها العامة والمواقع السياحية وقرب مقرات الحزب والدولة.

القرار أثار جدلا واسعا داخل الصين ففي حين اعتبره البعض تعديا على "حق الاختيار الحر بالتسول" وبأنه يحرم الكثيرين من فرص مساعدة قد يكونون بحاجة إليها فعلا، ترى الحكومة المركزية فيه أنه يفتح الباب واسعا أمام النقاش للوصول إلى وسائل أكثر نجاعة.

علمه الصيد

"
ترجح مصادر حكومية وجود أكثر من 150 ألف متسول ينتشرون في المدن والبلدات الصينية أغلبهم بين السادسة والسادسة عشرة ومعظمهم من الأميين
"
أما مدينة شنغهاي المعروفة بأنها عاصمة المال والأعمال فقد فكر أبناؤها بطريقة تجارية لحل الأزمة وهي الامتناع عن تقديم المساعدة للمتسولين لإجبارهم على الرحيل، رافعين شعار اعط الفقير سمكة تطعمه ليوم واحد وتعوده أن يطلب أخرى غدا، لكن علمه الصيد تطعمه إلى الأبد.

هذا الجدل والنقاش يعكس مدى استفحال أزمة التسول التي تعتبر جديدة على المجتمع الصيني والتي تنتشر بسرعة بحيث باتت مشهدا يوميا في شوارع المدن الكبيرة وتنتشر في الطرق وعلى الأرصفة وبين السيارات.

خليط من كل الأعمار معظمهم من الأطفال، وكثير من المعاقين يفترشون عاهاتهم على الأرض ويتفننون في إجبار هدفهم على مد يده إلى جيبه.

لا يوجد إحصاء دقيق لأعدادهم لكن مصادر حكومية ترجح وجود أكثر من 150 ألف متسول ينتشرون في المدن والبلدات الصينية أغلبهم بين السادسة والسادسة عشرة ومعظمهم من الأميين، لكن مصادر مستقلة ترى أن الرقم أكبر من هذا بكثير.

عملية منظمة
التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي تشهدها الصين قد تكون وراء انتشار هذه الظاهرة، لكن البعض يجزم بأنه ليست الحاجة والفقر ما يدفع المتسولين إلى التسول بل يرون فيها عملية منظمة تقف وراءها عصابات تعتبر التسول أسهل الطرق لجمع المال ويستدلون على ذلك بأنهم يطلبون المال لتوفير الغذاء لهم ولأطفالهم أو لشراء تذكرة قطار للعودة إلى ذويهم كما يقولون، لكن عندما تقدم لهم الغذاء أو تعرض عليهم شراء تذكرة قطار يرفضون ذلك.

البعض يعزو الأسباب إلى غياب الوعي وتفشي الفقر والبطالة واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، لكن العامل الأهم هو تدفق ملايين المهاجرين من القرى إلى المدن في أكبر عملية هجرة تشهدها الصين منذ تأسيسها، الأمر الذي بات يتطلب حلولا حاسمة لا تقتصر على الدولة فحسب بل تتطلب مساهمة المجتمع والمنظمات الدولية.

وتشير الإحصاءات الرسمية الصينية إلى أن خمسة عشر مليون فلاح يتركون أراضيهم ويهاجرون إلى المدن حيث دخل الفرد أكثر بأربعة أضعاف منه في الريف، لكن ارتفاع نسبة البطالة وتوجه المدن نحو البحث عن كفاءات يؤدي بهم إلى امتهان التسول في نهاية المطاف.

إجراءات حكومية

"
حل مشكلة التسول تشكل تحديا للدولة  ويجب أن يشمل تعاونا وثيقا بين الحكومة والمجتمع ومنظمات العمل المدني
"
أما الحكومة فتحاول إيجاد حلول للمشكلة حيث قامت مؤخرا بإلغاء الضرائب التي تثقل كاهل المزارعين وتعهدت بتقديم التعليم المجاني والرعاية الصحية للفقراء، كما قامت بإنشاء أكثر من ألف ملجأ على امتداد البلاد يمكن أن تستوعب ثلاثة ملايين لاجئ.

لكن عندما سألنا أحد المتسولين من ذوي الاحتياجات الخاصة لماذا لا يذهب إلى هناك قال "أتسمي ذلك ملجأ، إنه سجن، لا يقدمون لنا شيئا، ولا يستقبلوننا أكثر من عشرة أيام. اذهب وتأكد بنفسك".

ذهبنا إلى أحد الملاجئ على أطراف العاصمة الصينية لنتأكد فوجدنا بناء كبيرا بجدران عالية ومحاطة بالأسلاك الشائكة وعدد اللاجئين إليه لا يتجاوز عدد العاملين فيه.

وانغ سو ينغ المسؤولة في وزارة الشؤون المدنية قالت للجزيرة "إن المناطق المحرمة لا تعني إطلاقا التعدي على الحريات ومنع المواطنين من دخول بعض المناطق بل منعهم من التسول في تلك المناطق".

وأضافت أن مشكلة التسول تشكل تحديا كبيرا بالنسبة لهم وأنهم يقومون بإجراءات لحلها، "لكن الحل يجب أن يشمل تعاونا وثيقا بين الحكومة والمجتمع ومنظمات العمل المدني، وقد يحتاج إلى وقت طويل".




ــــــــــــــــــ
مراسل الجزيرة

المصدر : الجزيرة