إبراهيم بيرم

من الطبيعي أن تكون نتائج الانتخابات النيابية الوشيكة الوقوع في لبنان تتويجاً لعراك سياسي قارب حد الزلزال، منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وما تلاه من تداعيات وارتدادات أبرزها الانسحاب العسكري السوري من لبنان، وبالتالي ستكرس رابحين كُثرا وتحدد خاسرين قلة.

وبمعنى آخر سيكون حدث الانتخابات المرتقب وفق كل التوقعات، إيذانا رسمياً ببداية مرحلة جديدة من تاريخ لبنان السياسي، ووداعاً لمرحلة أخرى انطوت عملياً بجلاء آخر جندي سوري عن أرض لبنان في النصف الثاني من شهر أبريل/نيسان الماضي.

والعنوان العريض للانتقال بين المرحلتين، هو بداية تداعي سلطة سياسية برموزها وخطابها، نشأت عملياً بعد الشروع باتفاق الطائف وبإجراء أول انتخابات نيابية في ظل هذه الوثيقة الوطنية في صيف عام 1992.

اعتقاد سوريا
حينها كما هو معلوم صارت سوريا وحلفاؤها في لبنان يقيمون على اعتقاد مفاده أن المارونية السياسية في لبنان "عاندت العروبة" ومانعت في تكريس "هوية لبنان القومية"، وسعت لشد لبنان في كل اتجاه يكون من الطرف النقيض مع القضية العربية، وقد رفعت راية الاستسلام وعجزت عن تحقيق مشروعها الممتدة جذوره -وفق قراءات وتحليلات- إلى منتصف القرن التاسع عشر.

منذ ذلك التاريخ، وبالتحديد بعد إخراج العماد ميشال عون من قصر بعبدا تمهيداً لنفيه إلى باريس صارت دمشق تتصرف وكأنها باتت طليقة اليد في الساحة اللبنانية، فبادرت إلى وضع مداميك وأساسات تقوم عليها سلطة سياسية موالية تماماً لها.

"
بعد إخراج العماد ميشال عون من قصر بعبدا تمهيداً لنفيه إلي باريس صارت دمشق تتصرف وكأنها باتت طليقة اليد في الساحة اللبنانية، فبادرت إلى وضع مداميك وأساسات تقوم عليها سلطة سياسية موالية تماماً لها.
"
ولما لم تكن لها مشاكل كبرى مع الزعامات الإسلامية (ضمن الطوائف الإسلامية الثلاث) فإنها ركزت الجهود على إنشاء طبقة سياسية مسيحية جديدة، تنحاز إلى مشروعها وتوالي توجهاتها.

وعليه اكتملت لاحقاً رحلة إقصاء كل الزعامات المسيحية التاريخية (آل الجميل وشمعون...) والناشئة بفعل الحرب الأهلية مثل سمير جعجع الذي اعتقل في عام 1995 بتهم شتى.

انقلاب السنة
ولم يكن بمقدور الاعتراض المسيحي على كل ذلك أن يعطي ثماره ويؤثر على مسار الأمور، ويعطل ما هو مكتوب، إلا في الآونة الأخيرة وبالتحديد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أعقب هذا الحادث الجلل من انقلاب الطائفة السنية ( تشكل نحو 35 بالمائة من اللبنانيين) متحالفة مع الطائفة الدرزية ( تشكل نحو 7 بالمائة ) على العلاقة مع سوريا.

من البديهي أن لهذا الانقلاب مقدماته وتراكماته، ولكن الثابت أنه ما كان بإمكان المعارضة المسيحية أن تكون أكبر الرابحين سياسياً، لو لم تتقدم إلى صفوف المعارضة هذه الكتلة الشعبية الضخمة المتمثلة بالطائفة السنية، بفعل الصدمة الناجمة عن اغتيال الحريري الذي غدا زعيمها شبه المطلق منذ صدور نتائج الانتخابات النيابية في صيف عام 2000 والتي كشفت عن اكتساحه لكل المقاعد النيابية في العاصمة.

إنهاء الاختلال
"الربح" المسيحي من "انتفاضة" السنة على الوجود السوري، وعلى السلطة الدائرة في فلك هذا الوجود تمثل أول ما يكون بإخراج المعارضة المسيحية من الإطار الطائفي الذي تراوح منذ بداية تحركها الكبير في سبتمبر/أيلول عام 2000 وبالتحديد منذ أعلنت أنها تخطط لتحقيق "تحرير" لبنان من سوريا يكون معادلا للتحرير من الاحتلال الإسرائيلي الذي أنجزه حزب الله، لتنهي الاختلال الذي حصل بفعل هذا "التحرير".

"
الثابت أنه ما كان بإمكان المعارضة المسيحية أن تكون أكبر الرابحين سياسياً لو لم تتقدم إلى صفوف المعارضة هذه الكتلة الشعبية الضخمة المتمثلة بالطائفة السنية، بفعل الصدمة الناجمة عن اغتيال الحريري.
"
كذلك تمثل ثانيا بالانفتاح "الإسلامي" على رموز المعارضة المسيحية وقواها، وخصوصا بعد مظاهرة 14مارس/آذار الشهيرة في ساحة الشهداء في وسط العاصمة بيروت.

ولعل "الربح" الأكبر تجسد قبل أسابيع بعودة العماد عون من المنفى الباريسي الذي قضى فيه ما يقرب من 15 عاما، ليستأنف في وطنه عملية حضور سياسي صيرته واحدا من القيادات المارونية البارزة وجعلت تياره المسمى بـ"التيار الوطني الحر" إحدى أبرز القوى السياسية الحية في الاجتماع اللبناني. والمكسب الآخر الذي لا يستهان به، يتمثل في تحريك متجدد لقضية إطلاق زعيم تنظيم القوات اللبنانية المحظورة سمير جعجع، وقد شارفت المسألة على خواتمها رغم تأخرها إلى ما بعد الانتخابات.

وعموما حصدت المعارضة المسيحية، أهدافا وأرباحا عدة دفعة واحدة، إذ استعادت حضورا سياسيا واسترجعت زعامات وقوى لكنها عجزت لاحقا بفعل وقائع عدة، عن تحقيق حلم راودها وهو استعادة دور متعاظم كان لها قبل عام 1975 عندما طالبت بالعودة إلى قانون الانتخابات الذي عمل به من عام 1960 إلى عام 1972.

إذ برز فجأة "تفاهم" ضمني بين تيار الحريري وتيار النائب وليد جنبلاط من جهة وحركة "أمل" و"حزب الله" من جهة أخرى ليبقي العمل قائما بقانون 2000 الذي يجعل نحو أربعين مقعدا مسيحيا خاضعين للصوت الإسلامي.

التحكم بالرئاسة
وإذا كانت الطائفة السنية خسرت باغتيال الحريري رمزا كبيرا واعدا فإنها بدت رابحة كبرى بعد الانسحاب السوري وصعود تيار الحريري إلى الواجهة، مع الحديث المتعاظم في الكواليس السياسية، عن أن هذه الطائفة ستمسي عصب الحياة السياسية اللبنانية في الفترة المقبلة، خصوصا أن تحالفها مع جنبلاط، ومعظم رموز "لقاء قرنة شهوان" والتحالف الشيعي، سيبيح لتيار الحريري الحصول على نحو 40 مقعدا نيابيا.

فيما التوقعات تشير إلى أن الحلفاء المباشرين لهذا التيار سيحصلون على عدد مماثل، وهو، إذا ما تم، حدث بالغ الأهمية يعني أن رمز هذا التيار يمتلك أكثرية نيابية مطلقة لم يحصل عليها من قبل أي زعيم لبناني وتبيح له تحقيق ما يصبو إليه وأفصح عنه مراراً من الرغبة في الإتيان برئيس جديد للبلاد مكان الرئيس لحود، وبتأليف حكومة جديدة يكون رئيسها وبالتالي الإطاحة بكل التركيبة السياسية القائمة حالياً ورموزها المحاصرة بشبهة التغطية على جريمة الاغتيال.

وفي المقابل فإن ثمة في بيروت من يرى أن هذه الطائفة وإن كانت لها مكانة سياسية كبرى في المعادلة الداخلية، إلا أنها خسرت دور "الحامي لعروبة لبنان" والمدافع عنه.

خسارة التنوع
وخسرت أيضاً تنوعها الداخلي، إذ إن تحولها إلى طائفة بكل معنى الكلمة، قد جعل جمهورها يحاصر القوى والشخصيات والبيوتات التاريخية فيها ويسعى إلى قفل بيوتها كما حصل بالنسبة للرئيس عمر كرامي وللنائب السابق تمام سلام وقبلهما الرئيس سليم الحص.

"
الرابح الأكبر بلا منازع فهو النائب وليد جنبلاط، الذي صار في الآونة الأخيرة المحور الأساس لحركة المعارضة واللاعب الأكبر في الصفقات السياسية التي عقدت لاحقاً.
"
أما الرابح الأكبر بلا منازع فهو النائب وليد جنبلاط، الذي صار في الآونة الأخيرة المحور الأساس لحركة المعارضة واللاعب الأكبر في الصفقات السياسية التي عقدت لاحقاً.

وأكثر من ذلك فإن هذا الوضع أفسح في المجال أمامه ليكون رئيساً للائحة نيابية كبرى ستتعدى في عديدها لائحته السابقة. وهذا يعني في السياسة اللبنانية، قاعدة لتكبير حجم حضوره في التركيبة الطائفية.

والخسارة بطبيعة الحال، شملت الطائفة الشيعية التي بدت خلال الأحداث والتطورات الأخيرة وكأنها خارج السياق الوطني، وفقد "حزب الله" بالخروج العسكري السوري سندا قويا لمقاومته إذ إن الوجود السوري أمّن للبندقية المقاومة في السابق غطاء سياسيا أراح الحزب من عبء الولوج في اللعبة السياسية الداخلية.

أما الخاسرون فهم بشكل رئيسي ما اصطلح على تسميتهم "مسيحيو النظام" من رئيس الجمهورية إلى كل الشخصيات والمواقع والقوى المسيحية التي أدرجت في خانة النظام.



ــــــــــــــ
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة