جنبلاط.. محور التحالفات ونقطة توازنها
آخر تحديث: 2005/5/26 الساعة 17:52 (مكة المكرمة) الموافق 1426/4/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/5/26 الساعة 17:52 (مكة المكرمة) الموافق 1426/4/18 هـ

جنبلاط.. محور التحالفات ونقطة توازنها


قاسم قصير

يشكل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أحد أبرز الشخصيات السياسية اللبنانية في المرحلة الحالية. ويلعب جنبلاط دورا أساسيا في خريطة التحالفات السياسية والانتخابية بالإضافة لدوره الأساسي في إدارة الشأن اللبناني وتحديد البرنامج المستقبلي للقوى السياسية اللبنانية عامة والقوى المعارضة بشكل خاص.

فمن أين تنبع قوة وليد جنبلاط السياسية والشعبية؟ وما خريطة التحالفات السياسية والانتخابية التي التزم بها لخوض الانتخابات النيابية؟ وما رؤية جنبلاط السياسية للمرحلة المقبلة؟

عائلة سياسية
ينتمي جنبلاط إلى عائلة سياسية عريقة لعبت دورا أسياسيا في تاريخ وحاضر لبنان السياسي منذ حوالي مئتي سنة, وخصوصا في منطقة جبل لبنان. حيث برز العديد من الأمراء الجنبلاطيين الذين تولوا إدارة منطقة جبل لبنان أيام الحكم العثماني, ومنهم بشير جنبلاط الأول والثاني. كما لعبت جدة وليد السيدة نظيرة جنبلاط دورا هاماً في مرحلة الانتداب الفرنسي والسنوات الأولى للاستقلال ومهدت السبيل لوالده الزعيم كمال جنبلاط الذي شكل محطة أساسية على صعيد الحياة السياسية في لبنان والمنطقة.

"
ينتمي جنبلاط إلى عائلة سياسية عريقة لعبت دورا أسياسيا في تاريخ وحاضر لبنان السياسي منذ حوالي مئتي سنة
"
وتولى كمال جنبلاط قيادة المعارضة السياسية لفترة طويلة كما دخل إلى الحكم في عدة عهود وصولا لترؤسه الحركة الوطنية اللبنانية والجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية, بالإضافة إلى شبكة علاقات دولية وعربية.

واصطدم كمال جنبلاط بسوريا عام 1976 بعد أن قرر السوريون إدخال جيشهم إلى لبنان لدعم القوى المسيحية لوقف الحرب الأهلية, وأدى هذا الخلاف إلى اغتياله عام 1978، مما مهد لوليد جنبلاط تسلم زعامة الحركة الوطنية والطائفة الدرزية, دون أن يكون في مواجهته أي منافس قوي.



 

الأشغال والمهجرون
وساهم جنبلاط في العديد من اللقاءات والاتفاقات التي عقدت لإنهاء الحرب في لوزان وجنيف ودمشق, وإن لم يشارك في اللقاءات التي جرت في مدينة الطائف السعودية والتي أنهت الحرب الأهلية وذلك لأنه لم يكن نائبا آنذاك. لكنه وافق على الاتفاق وشارك في معظم الحكومات التي شكلت بعد اتفاق الطائف سواء بشكل مباشر أو عبر ممثلين له وتولى عدة وزارات أساسية (الأشغال، المهجرون)، مما أتاح له الحصول على إمكانيات مالية كبيرة ساعدت في تدعيم موقعه الشعبي والسياسي.

بيد أن المحطة الأساسية في تطور دور جنبلاط الداخلي جاءت من خلال تحالفه مع الرئيس رفيق الحريري منذ أن تسلم الأخير رئاسة الحكومة عام 1992 ومن ثم ترشحه للانتخابات النيابية عامي 1996 و 2000. واستطاع جنبلاط من خلال هذا التحالف الحصول على كتلة نيابية كبيرة بلغ عددها حوالي 17 نائبا. وهذا لم يكن متوفرا له أو لوالده كمال جنبلاط طيلة الحياة السياسية اللبنانية.

حرص جنبلاط طيلة حياته السياسية بعد اغتيال والده على العلاقة الإيجابية والتحالفية مع سوريا رغم وجود بعض الخلافات مع القيادة السورية وشكل الدعم السوري أحد نقاط القوة الأساسية لجنبلاط في مواجهة خصومه السياسيين و بالأخص القوى المسيحية منذ عام 1982 وحتى عام 2000. لكن في عام 2000 وبعد حصول خلافات مع السوريين حول الموقف من ترشيح العماد أميل لحود لرئاسة الجمهورية بدأت العلاقة بين جنبلاط والسوريين تشهد بعض التوتر وخصوصا بعد تولي الدكتور بشار الأسد رئاسة الجمهورية في سوريا بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتراجع دور بعض الشخصيات السورية الأساسية التي كانت على صلة قوية بجنبلاط (عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري، ورئيس أركان الجيش السوري اللواء حكمت الشهابي، ومسؤول جهاز الأمن والاستطلاع للجيش السوري في لبنان غازي كنعان).

"
حرص جنبلاط طيلة حياته السياسية بعد اغتيال والده على العلاقة الإيجابية والتحالفية مع سوريا رغم وجود بعض الخلافات مع القيادة السورية وشكل الدعم السوري أحد نقاط القوة الأساسية لجنبلاط في مواجهة خصومه السياسيين
"
وبدأ جنبلاط يتبنى الدعوة لإعادة النظر في العلاقات اللبنانية السورية، كما تبنى مطالب بعض القوى المسيحية مما أدى إلى حصول خلافات مع القيادة السورية، وإن كانت هذه الخلافات تراجعت في بعض الأحيان بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول في أميركا وصدور مواقف عن جنبلاط لتأكيد التحالف مع سوريا.

جنبلاط وغزالة
وعادت الأمور إلى طبيعتها بين جنبلاط والقيادة السورية بين عامي 2001 و 2004 دون أن يعني ذلك عدم وجود بعض الخلافات. لكن القرار السوري بالتمديد للرئيس إميل لحود ومعارضة جنبلاط لهذا القرار أعاد الخلاف إلى أوجه حيث لم يوافق وزراء جنبلاط ونواب كتلته على قرارالتمديد وصوتوا ضده مما أدى إلى انزعاج شديد من قبل القيادة السورية, وتم إلغاء موعد مسبق كان مقررا لجنبلاط مع الرئيس السوري بشار الأسد. ولعب مسؤول المخابرات السورية في لبنان رستم غزالة دورا أساسيا في إلغاء الموعد، مما أدى إلى نقمة كبيرة لجنبلاط على غزالة.

ثم جاءت محاولة الاغتيال الفاشلة للوزير مروان حمادة, التي أذكت حملة جنبلاط ضد الرئيس لحود والأجهزة الأمنية السورية واللبنانية، الأمر الذي زاد من شعبية جنبلاط.

ورغم أن جنبلاط عارض القرار 1559 فإن ذلك لم يمنع من توجيه الاتهام للوزير حمادة - من قبل خصوم جنبلاط- بأنه كان من ضمن مجموعة من الشخصيات اللبنانية التي مهدت للقرار, وهو ما نفاه حمادة.

في غضون ذلك حافظ جنبلاط على العلاقة القوية مع الرئيس رفيق الحريري ومع حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصر الله، كما شكل جبهة جديدة للمعارضة ضمت نواب اللقاء الديمقراطي (التابع لجنبلاط) ونواب لقاء قرنة شهوان (المسيحي)، ونواب من كتلة الحريري بالإضافة لقوى سياسية يسارية وليبرالية (المنبر الديمقراطي، حركة التجدد الديمقراطي، اليسار الديمقراطي). وهوما جعل جنبلاط أحد اللاعبين الأساسيين في الحياة السياسية اللبنانية.

دعم الدور
كما شكلت عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعها من تداعيات، كالانسحاب السوري واستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي وإقالة عدد من مسؤولي الأجهزة و التظاهرات التي جرت في بيروت، عوامل أساسية في دعم دور جنبلاط السياسي والشعبي، خصوصا في ظل استمرار التحالف القوي بينه وبين آل الحريري وقوى المعارضة.

لكن جنبلاط وبناء على نصائح دولية كما قال، عمد إلى فتح قنوات الاتصال مع الرئيس عمر كرامي ونبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله للتوصل إلى تسوية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة وإجراء الانتخابات النيابية والاتفاق على مشروع قانون الانتخابات، مما مهد لتولي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة ضمت شخصيات مقربة من آل الحريري وجنبلاط وحزب الله وحركة أمل، كما تم الاتفاق على إبقاء قانون عام 2000 بعد فشل إقرار قانون يعتمد القضاء للتقسيمات الانتخابية، مع أن ذلك أدى إلى خلافات بين بعض قوى المعارضة لكنها تجاوزت ذلك.

"
عمد جنبلاط بناء على نصائح دولية كما قال، إلى فتح قنوات الاتصال مع الرئيس عمر كرامي ونبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله للتوصل إلى تسوية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة وإجراء الانتخابات النيابية والاتفاق على مشروع قانون الانتخابات، مما مهد لتولي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة
"
وإن كانت عودة العماد ميشال عون إلى لبنان بعد مرور 15 سنة من المنفى في فرنسا شكلت تحديا جديدا لجنبلاط وقوى المعارضة، خصوصا في ظل توجه عون للتحالف مع القوى التي كانت موالية للسلطة وصدور مواقف من عون تنتقد جنبلاط وطروحاته.

التحالفات
على ضوء هذه التطورات وإبقاء قانون عام 2000, تم تشكيل تحالف سياسي -انتخابي أساسي ضم وليد جنبلاط (الحزب التقدمي الاشتراكي)، واللقاء الديمقراطي، وتيار الرئيس رفيق الحريري، وحزب الله، وحركة أمل، وفي بعض المناطق تم ضم قوى المعارضة (قرنة شهوان ـ القوى السياسية) وفي مناطق أخرى كان التحالف مقتصرا على حركة أمل وحزب الله وتيار الحريري وتيار جنبلاط مع بعض القوى السياسية و الحزبية، كما جرى في الجنوب وبعض مناطق البقاع.

و جرت اتصالات ولقاءات مكثفة بين جنبلاط والحريري من جهة والتيار العوني من جهة أخرى لعقد اتفاق آخر ضم التيار العوني إلى التحالف الانتخابي لكنها لم تؤد إلى نتيجة. الأمر الذي جعل قائمة تحالفات جنبلاط تسري على النحو التالي:

 
- في بيروت تحالف مع آل الحريري عبر ترشيح النائب غازي العريضي.

-في جبل لبنان شكل جنبلاط في دائرة الشوف لائحة مع تيار المستقبل والقوات اللبنانية ونواب اللقاء الديمقراطي في دائرة بعبدا-عالية.

ومع فشل الاتصالات لعقد تحالف بين جنبلاط وتيار المستقبل مع التيار العوني يرجح أن تشكل لائحتان الأولى تضم جنبلاط مع حلفائه في مواجهة التيار العوني وحلفائه وسيكون حزب الله على الأغلب على لائحة جنبلاط.

-في البقاع الغربي سيتحالف جنبلاط مع حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل ولجنبلاط مرشح أساسي هو وائل أبو فاعور.

-في الجنوب ضم تحالف حركة أمل وحزب الله النائب أنور الخليل وهو نائب درزي مستقل لكنه ليس معارضا لجنبلاط.

-أما في البقاع الشمالي (دائرة بعلبك - الهرمل) فهناك مرشح من قبل الحزب التقدمي الاشتراكي هو دريد ياغي لكنه لم يدخل إلى لائحة أمل وحزب الله، وقد يشكل لائحة مستقلة إذا لم يتم سحب ترشيحه.

"
من الملاحظ أن جنبلاط وآل الحريري عقدوا تحالفا موازيا مع حركة أمل و حزب الله، مما يعني أن أي مشروع سياسي مستقبلي أو أية قرارات سياسية مستقبلية يجب أن تراعي أيضا القوى الشيعية

"

الوضع المستقبلي
على ضوء التحالفات التي تمت حتى الآن بين جنبلاط وبقية القوى السياسية، فإن جنبلاط بالتعاون مع تيار المستقبل وآل الحريري و القوى المسيحية المعارضة (قرنة شهوان والقوات اللبنانية) يمكن أن يشكل قوة انتخابية تصل إلى حدود ما بين 80 و90 نائبا مما يسمح لهم بالتحكم في الحياة السياسية اللبنانية سواء على صعيد انتخاب رئيس مجلس النواب أو اختيار رئيس الحكومة أو تحديد وضعية رئيس الجمهورية في ظل ازدياد المطالبة باستقالته وانتخاب رئيس جديد.

لكن الملاحظ أن جنبلاط وآل الحريري عقدوا تحالفا موازيا مع حركة أمل وحزب الله، مما يعني أن أي مشروع سياسي مستقبلي أو أية قرارات سياسية مستقبلية يجب أن تراعي أيضا القوى الشيعية (أمل وحزب الله)، ومن هنا كان حرص جنبلاط وآل الحريري على التأكيد على التعاطي الإيجابي مع حزب الله وسلاح المقاومة وعدم التصادم مع الرئيس بري.

ويمكن القول إن الزعيم وليد جنبلاط سيكون في المرحلة المقبلة قوة سياسية وشعبية ونيابية وإن تحالفه مع آل الحريري والمعارضة المسيحية وعلاقاته الجيدة مع الرئيس نبيه بري وحزب الله ستسمح له بأن يكون نقطة توازن أساسية في تحديد آفاق المرحلة المقبلة.




ـــــــــــــــــــــ
صحفي لبناني

 

المصدر : الجزيرة