محمد العلي

في ظهيرة الـ14 من فبراير/شباط الماضي, اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري, بانفجار ضخم في أحد أحياء بيروت. وأحدث الانفجارهزة عنيفة في الحياة السياسية لهذا البلد العربي الصغير, كان من أبرز نتائجها القبول العام محليا وإقليميا ودوليا بتنظيم الانتخابات النيابية في موعدها المقرر في شهر مايو/أيار الجاري.

وكان تسلسل الأحداث التي أفضت إلى تنظيم الانتخابات مزيجا من الضغط المحلي والدولي على السلطة اللبنانية وعلى سوريا التي قررت سحب قواتها من لبنان بعد اتهامها من قبل المعارضة اللبنانية بالمسؤولية عن اغتيال الحريري.

ومعلوم أن فتورا بين الحريري والقيادة السورية قد بدأ على خلفية رفض الأخير -عندما كان رئيسا للحكومة أواسط عام 2003- التمديد للرئيس لحود, وهو ما زاد شكوك السوريين في أنه دعم سرا بالتعاون مع فرنسا والولايات المتحدة, استصدار قرار مجلس الأمن 1559 الذي ينص على سحب القوات السورية من لبنان ونزع سلاح حزب الله ونشر الجيش في الجنوب.

جلسة عاصفة
ومع إصرار المعارضة ممثلة في القوى المسيحية المناهضة لسوريا والحزب التقدمي بزعامة النائب وليد جنبلاط وتيار الحريري, على الكشف عن قتلة الحريري وتحميل الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية مسؤولية الاغتيال عقد مجلس النواب اللبناني جلسة عاصفة في 28 شباط/فبراير, كان موضوع الاغتيال أبرز المطروح على جدول أعمالها.

وانتهت الجلسة التي واكبتها عمليات احتجاج منظمة قرب ضريح الحريري وسط بيروت بتقديم كرامي استقالة حكومته لرفضه -حسب تصريحات لاحقة- تحمل وزر اغتيال الحريري.

وأدت عملية الاغتيال إلى انقسام اللبنانيين بين فئتين، الأولى معارضة للنظام اللبناني والوجود السوري, والثانية مشكلة من حلفاء دمشق الممثلين في الحكومة وأجهزة السلطة وأبرزهم حركة أمل وحزب الله وكتلتهم الجماهيرية.

العداء للسوريين
ووسط تصاعد موجة العداء للسوريين بين قطاعات من المسلمين والمسيحيين اللبنانيين, وارتفاع منسوب الاتهامات بمسؤولية سوريا عن عملية الاغتيال, قرر الرئيس السوري بشار الأسد سحب قواته من لبنان في إطار التزام بلاده بقرار مجلس الأمن رقم 1559, وهو ما اعتبره المعارضون اللبنانيون ثاني انتصاراتهم بعد استقالة حكومة كرامي.

ومع اتخاذ سوريا هذا القرار, تحرك حلفاء دمشق في لبنان, وفي مقدمهم حزب الله على خطين: أولهما إثبات الوجود على الأرض ومحاولة نزع ورقة المعارضة القائلة بالمطالبة بالكشف عن قتلة الحريري, وثانيهما قبول التحدي بالاستمرار في السلطة عبر ترشيح رئيس الوزراء المستقيل عمر كرامي لإعادة تشكيل الحكومة.

ونظم حلفاء دمشق مظاهرة ضخمة في ساحة رياض الصلح في الثامن مارس/ آذار حضرها مئات الآلاف وقدموا خلالها شكرا لسوريا على دورها بلبنان, وهو ما ردت عليه المعارضة بتنظيم مظاهرة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح شارك فيها كذلك مئات الآلاف, وأصرت فيها على إقالة قادة الأجهزة وتشكيل لجنة تحقيق دولية.

دفتر شروط
ومع قبول عمر كرامي تشكيل حكومة جديدة أرادها حكومة اتحاد وطني, حدد المعارضون مطالبهم التي أسموها "دفتر شروط", وأبرزها إقالة قادة الأجهزة وتكليف شخصية غير مرشحة للانتخابات بتشكيل الحكومة الجديدة, وتشكيل لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري.

وتولى قطب المعارضة الرئيسي وليد جنبلاط تسويق هذه الشروط لدى القوى الدولية المؤثرة لبنانيا, فزار باريس والمفوضية الأوروبية وموسكو وروما وطهران, فيما زار المرشد الروحي للمعارضة المسيحية البطريرك نصر الله صفير واشنطن والتقى الرئيس الأميركي جورج بوش.

وتزامن تعثر تشكيل حكومة كرامي مع إعلان قائد استخبارات الجيش ريمون عازار-وهو أحد الستة المطلوب إقالتهم عن خروجه في إجازة إدارية. وما إن أعلن  كرامي بعد أسبوعين من المشاورات, عن فشل مهمته واعتذاره للحود عنها, حتى خرج إعلان مفاجئ للرئيس اللبناني بتكليف نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة وفق شروط المعارضة.

"
قامت سوريا في إطار كسب ثقة المجتمع الدولي بتحديد موعد سحب آخر جندي من لبنان في 26 إبريل/نيسان أي قبيل التاريخ المفترض للانتخابات اللبنانية
"

وقامت سوريا من جهتها, وفي إطار كسب ثقة المجتمع الدولي بتحديد موعد سحب آخر جندي من لبنان في 26 إبريل/نيسان أي قبيل التاريخ المفترض للانتخابات اللبنانية.

في هذه الأثناء سلطت الأضواء على العماد ميشال عون الذي قرر أن يكون السابع من مايو/أيار تاريخ عودته من المنفى الذي قضى فيه 15 عاما.

وكان لعودة عون -المساهم في إصدار قانون محاسبة سوريا عن الكونغرس الأميركي- في هذا التاريخ, وقع سلبي على المعارضة المسيحية وحساباتها الانتخابية. ويرتبط ذلك  ببرنامج عون الداعي للقضاء على الإقطاع السياسي ولمحاسبة الفاسدين, ولاقتناعه بأنه المبادر قبل الجميع لطرد سوريا من لبنان.

وفيما بدأ قادة الأجهزة الأمنية وأبرزهم اللواء جميل السيد في الاستقالة أو الوضع في التصرف تباعا, أصدر وزير الداخلية الجديد حسن السبع في 27 إبريل/نيسان -أي بعد يوم من سحب آخر جندي سوري- قرارا بإجراء الانتخابات في 29 مايو/أيار, وهو ما رأى فيه مراقبون إمكانية فتح صفحة جديدة في تاريخ البلد.

ـــــــــــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة