الأميركيون يختلقون وجود القاعدة في القرن الأفريقي
آخر تحديث: 2005/5/22 الساعة 23:12 (مكة المكرمة) الموافق 1426/4/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/5/22 الساعة 23:12 (مكة المكرمة) الموافق 1426/4/14 هـ

الأميركيون يختلقون وجود القاعدة في القرن الأفريقي

القاضي عبد الرحمن بشير (الجزيرة)

سمير شطارة-أوسلو

تتجه جيبوتي بقوة نحو عمقها العربي الإسلامي بتعريب التعليم والتركيز على التعليم الإسلامي، وهو ما أثار إشكالات سياسية مع باريس. ويتناغم هذا التوجه مع الحضور القوي للحركات الإسلامية في دول القرن الأفريقي خاصة في الصومال الذي يعوض النشاط الاجتماعي والاقتصادي فيه تقصير الحكومة.

ويستبعد مستشار المحكمة العليا ووزارة العدل الجيبوتية القاضي عبد الرحمن بشير أن يكون لتنظيم القاعدة خلايا نائمة أو نشطة في القرن الأفريقي، مبررا وجود قواعد أميركية في جيبوتي بحاجة البلاد إلى التوازن في علاقاتها الخارجية في ظل ضعف إمكانياتها بالنسبة للدول المحيطة.

وانتقد بشير الذي يرأس لجنة القدس المعنية بدعم الشعب الفلسطيني، الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي كجزء من مخطط إسرائيلي لتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إسرائيلية. وفيما يلي نص الحوار:

نود بداية أن نسأل عن الخطوة غير المسبوقة لرئيس جيبوتي بفرض تعليم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، في ظل انتشار التعليم باللغة الإنجليزية كلغة علوم، فما هي الرؤية الفلسفية التي تقف وراء هذه الخطوة؟

- تعلمون أن جيبوتي عضو في جامعة الدول العربية وعضو في منظمة المؤتمر الإسلامي. وفي الحقيقة فإن لجيبوتي أربعة أبعاد تحاول أن توازن بينها: البعد العربي، والبعد الإسلامي، والبعد الأفريقي، والبعد الفرنكفوني وهو الانتماء إلى الأسرة الفرنكفونية الناطقة باللغة الفرنسية. والسياسة التي ينتهجها الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي سياسة توازن بين الانتماءات الأربعة للجمهورية.

ولمنح البعد العربي والإسلامي حقهما أصدر الرئيس قراره لوزارة التعليم بأن تفرض مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية ضمن المنهج التعليمي ابتداء من المرحلة الابتدائية، وكانت هناك قبل ذلك مادة التربية الأخلاقية. كما أدمجت المدارس التي تدرس باللغة العربية كاملة ضمن نطاق المؤسسة التعليمية الرسمية.

وبالمناسبة فإن الرئيس جيلي هو أول شخصية رسمية منذ استقلال البلاد عام 1977 يخطب في الناس في احتفالات رسمية كيوم الاستقلال وعيدي الأضحى والفطر ويخطب باللغة العربية ولم يسبقه إلى ذلك أحد، ما أثار حفيظة الفرنسيين.

كما أن الحكومة الجيبوتية تنتهج الآن سياسة الانتقال من المدارس اللائكية (الفرنسية) التي هي بالأساس جزء من آثار الاستعمار إلى المدارس الوطنية، وهو ما أثار إشكالات سياسية بين الحكومة وفرنسا.

ولقيت مساعي الرئيس ترحيباً حاراً من كل قطاعات الشعب الذي يعتز بارتباطه بالعالم العربي والإسلامي، لكنها أثارت بعض بقايا أو قل رموز الاستغراب الذين لا يحبون للعربية أن يكون لها موقع. بل هناك الآن من هؤلاء الذين يوصفون بالفرنكفونيين الأقحاح من يحاول تعلم اللغة العربية ليكسبوا شعبية أكبر.

 يكثر الحديث عن انتشار الحركات الإسلامية وتأثيرها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في القرن الأفريقي وبخاصة في جيبوتي والصومال وإثيوبيا، فكيف تقيمون ذلك بحكم خبرتكم العميقة في هذه المناطق والتحامكم مع الشأن السياسي فيها؟

- أظن أن هناك في الصومال صحوة إسلامية مباركة وقوية وفاعلة سواء في الجنوب أو الشمال.. صحوة أستطيع أن أصفها بالمستنيرة وبنوع من التقدم، كما أنها تملأ فراغا في عدة قطاعات تكاد تغيب عنها الدولة، مثل قطاع التعليم والإغاثة والعمل الاجتماعي.

كما أن لها حضورا لافتا جداً في مجال الاقتصاد والمال إذ تشير دراسات إلى أن الصوماليين المغتربين يحولون أكثر من 500 مليون دولار إلى البلاد عبر مكاتب يشرف عليها أبناء الحركات الإسلامية، وكأنهم حققوا النظرية الأميركية التي تقول بنجاح "الفوضى الخلاقة" في غياب عن أجهزة الدولة.

وبينما كانت حكومة سياد بري تشرف على جامعة واحدة ومستشفى واحد في مقديشو، يملك الإسلاميون اليوم في الصومال عشر جامعات وعشرة مستشفيات تخصصية. وللأسف فإن هذه الصورة عن الصومال لا تعكسها وسائل الإعلام للعالم الخارجي.

أما إثيوبيا فلا أستطيع القول إن فيها صحوة قوية، هناك صحوة إسلامية معقولة لاسيما بعد انهيار القوى الشيوعية فيها. واستفاد المسلمون من المتغيرات الدولية والانفتاح الديمقراطي، إلا أن المسلمين في إثيوبيا لم يتمكنوا من استثمار الفرصة بشكل جيد.

كما أن المساعدات الأميركية لإثيوبيا -وهي أكبر ثالث متلق للمساعدات الأميركية بعد إسرائيل ومصر- تذهب في معظمها إلى القوى والشعب المسيحي، فيما يظل المسلمون قابعين تحت خط الفقر دون دعم حكومي ولا أوروبي في ظل غياب الدعم العربي والإسلامي عنهم.

أما جيبوتي فإن برنامج الحكومة بنفسها يهتم بالإسلام بدءا بالرئيس ومروراً بالوزارات وانتهاء بالشعب الذي يرغب في الانتماء للعالم العربي والإسلامي. هناك صحوة متعقلة تتفهم وضعيتها.

لكن في مقابل ما وصفته بالصحوة الإسلامية القوية والفاعلة هناك حديث عن وجود إسرائيلي نشط في القرن الأفريقي؟

"
إسرائيل موجودة في القرن الأفريقي بقوة
"
- لا شك في أن ما يسمى إسرائيل متواجدة في القرن الأفريقي بقوة تعمل وفق إستراتيجية تحويل البحر الأحمر -الذي كان يعرف لدينا ببحر العرب والمسلمين- إلى بحر إسرائيل، وهي موجودة بقوة في شمال الصومال وجنوب إريتريا، لكن الحكومة الجيبوتية تتخذ موقفاً واضحاً تجاه إسرائيل، فبالنسبة للشعب والحكومة أيضا نعتبر إسرائيل عدوا لأنها اغتصبت الأراضي الفلسطينية.

أن أي تطبيع مرفوض حتى تعيد الحق العربي والإسلامي وتقوم دولة فلسطين على الأراضي الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وهذه الكلمة التي أقولها قالها الرئيس الجيبوتي بنفسه.

وتحاول إسرائيل من خلال الزراعة طرح خدماتها كباب لتمرير التطبيع، خاصة أن الأراضي الزراعية في جيبوتي تتسم بالملوحة وهي مقاربة لبعض الأراضي في فلسطين. وتعرض الحكومة الإسرائيلية على جيبوتي كثيراً تقديم خدماتها، إلا أن الحكومة الجيبوتية ترفض أي اتصال مع الكيان الإسرائيلي وتفضل التعاون مع الخبراء المصريين الذين لا يقلون قدرة ومهارة عن الإسرائيليين في معالجة ملوحة الأرض.

توجد قواعد عسكرية أميركية في جيبوتي تثير الجدل في بعض الأحيان، فكيف تتعاملون مع مثل هذه الإشكالية؟ وما هي القواعد التي تحكم هذا الوجود؟

- القواعد العسكرية الأميركية موجودة في جيبوتي، وأريد أن أوضح أن سياسة جيبوتي تستند إلى الموازنة، فهي دولة صغيرة من حيث القوة البشرية والإمكانات المادية، والقوات الأميركية جاءت دون أن تستأذن أحدا، وهي موجودة طبعاً في قطر والسعودية والكويت، وأنا أظن أن الولايات المتحدة هذه الأيام لا تأخذ إذنا من أحد بل تأتي هكذا.

ولكن الرئيس الجيبوتي قال إن سبب وجودها مرتبط بما يسمى "محاربة الإرهاب الدولي"، وأن لا تستخدم هذه القاعدة لضرب أو إيذاء أي دولة عربية وإسلامية.

وفي تحليلي الخاص فإن الأميركان يعيشون الآن في مرحلة الإمبراطورية بقوتهم وجبروتهم، ويتعاملون مع الدول وفق ذلك، ولكن لتجميل صورتها وإخراجه بديكور مقبول فإنها تأتي على شكل معاهدات واتفاقيات.

تزعم الولايات المتحدة أن بعض الدول الأفريقية قد تكون مأوى مناسبا لتنظيم القاعدة مثل الصومال، فهل توافق على مثل هذا الزعم؟

- هم دائماً يقولون بين الفينة والأخرى إن هناك خلايا نائمة للقاعدة في إثيوبيا والصومال، ولكن الحقيقة التي نعرفها نحن هي أن القاعدة كتنظيم بخلاياه النائمة واليقظة لا وجود له في الصومال، هذه المناطق كلها خالية من قواعدهم وخلاياهم، ولكن هناك توجه إسلامي معتدل هو السائد في الصومال وجيبوتي وسائر المناطق المجاورة.

شاركتم في الأيام الماضية في فعاليات عديدة نظمت هنا في أوروبا ليس آخرها "مؤتمر الأسرة المسلمة في الغرب" الذي عقدته الرابطة الإسلامية بالنرويج، كيف تقيمون الوجود الإسلامي في أوروبا؟

- يتفاوت وجود المسلمين بصورة عامة بين البلدان الأوروبية وتتفاوت مستوياته بين الجيدة والمتوسطة والضعيفة، فبينما تشهد بريطانيا وفرنسا وجوداً قوياً للمسلمين وفاعلاً إلى حد ما، يمثل المسلمون في الدول الإسكندنافية مستويات ضعيفة.

ولكن مع ذلك فإنني أرى أنهم يخرجون من طور الأعمال الفردية والشخصية إلى الأعمال المنظمة والمؤسسة، فهم الآن بعمومهم يفكرون بطريقة إسترايتيجية أفضل مما سبق، فهناك تفكير عام من قبل معظمهم بأن يجعلوا من ضمن أولوياتهم توطين الإسلام في هذه القارة.

أما بخصوص نقاط ضعفهم فهم يشتكون من نفس أمراض بلداننا في الشرق من اختلافات مذهبية وفكرية تعج بها بلداننا الإسلامية، أضف إلى ذلك الاختلافات العرقية في بلدان تعيش على التراكيب العرقية المختلفة..!! لكن هناك قيادات اسلامية واعية تعمل بطريقة حضارية وعملية وقادرة على هضم الخلافات والتعايش بشكل إيجابي مع الآخرين، وهي المعول عليها في تغيير الواقع إلى الأحسن.
_____________
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة