كريم حسين نعمة

افتتحت في العاصمة الإندونيسية جاكرتا أعمال القمة الأفروآسيوية الثانية بحضور زعماء ومسؤولين كبار من 100 دولة من القارتين وسبع منظمات إقليمية.

انعقاد هذه القمة يتصادف مع الذكرى الخمسين لأول قمة أفروآسيوية احتضنتها مدينة باندونغ الإندونيسية قبل خمسين عاما، وشكل البيان الختامي لها محطة مميزة في تاريخ إنهاء الاستعمار وتاريخ ما بات يعرف بالعالم النامي.

وكان الزعماء الهندي جواهر لال نهرو والمصري جمال عبد الناصر والصيني تشو إنلاي والإندونيسي أحمد سوكارنو واليوغسلافي جوزيف بروز تيتو من أبرز الحاضرين في تلك القمة التي شاركت فيها 29 دولة وشكلت مقدمة لحركة دول عدم الانحياز في وقت كانت فيه الحرب الباردة مستعرة بين القطبين الكبيرين السوفياتي والأميركي.

وكان من أبرز ما تمخضت عنه تلك القمة ما سمي في حينه بـ"روح باندونغ" القائمة على مبادئ عدم التدخل والمساواة بين كل الدول مهما كان حجمها ورفض خدمة مصالح الدول الكبرى عن طريق الانتماء إلى أي حلف عسكري سواء كان الناتو أم وارسو.

واليوم وبعد أن شهد العالم تغييرات كثيرة خلال الخمسين عاما المنصرمة لعل من أبرزها انتهاء الحرب الباردة وما أعقبها من تفتت الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم، تطل علينا قمة جديدة في جاكرتا مماثلة لباندونغ من حيث الشكل لا من حيث الجوهر، بحسب ما يرى العديد من المراقبين.

ويرجع هؤلاء المراقبين تشاؤمهم هذا إلى سلسلة من الحقائق التي ظهرت في الفترة الممتدة بين القمتين، فوعود قمة باندونغ رغم حسن النوايا لم ينفذ الكثير منها وحركة عدم الانحياز لعبت دورا كبيرا في حفظ مصالح العالم الثالث ولكنها لم تترك بصمات ظاهرة عمليا في تاريخ شعوب الدول المنضوية تحت لوائها بسبب عدم وجود التجانس المطلوب بين هذه الدول وعدم قدرتها حتى على حسم الخلافات التي تنشب فيما بينها.

غير أن ذلك لا يعني عدم وجود ملفات مهمة ستجد لها بالتأكيد متسعا من الوقت للبحث في جاكرتا لعل من أبرزها توتر العلاقات بين اليابان والصين الذي طغى على اليوم الأول من أعمال القمة.

وفيما يمكن اعتباره تحليا بروح المصالحة قدم رئيس الوزراء الياباني اعتذارا عن المعاناة التي سببتها بلاده لعدد كبير من الشعوب الآسيوية خلال الحرب العالمية الثانية. كويزومي نفسه أعلن بعد ذلك أنه سيلتقي الرئيس الصيني هو جينتاو السبت لطي صفحة الخلاف بين البلدين وربما -كما ورد في الأنباء- لتوقيع اتفاق إستراتيجي بينهما في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية.

الملف الساخن الآخر هو موضوع الإصلاحات في الأمم المتحدة لاسيما بالنسبة إلى الدول المرشحة إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي. وفي هذا الإطار وجه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان نداء للزعماء كي يدعموا مقترحاته التاريخية لإصلاح المنظمة الدولية.

ومن بين الملفات البارزة الأخرى السعي لإعلان شراكة إستراتيجية بين القارتين الآسيوية الأفريقية مع التعهد بتعزيز التجارة والاستثمار والتشديد على أهمية الأساليب المتعددة الأطراف لحل الصراعات.

ويبقى التساؤل في نهاية المطاف عما إذا كانت قمة جاكرتا قادرة على إعادة أمجاد باندونغ أم أنها ستكون مجرد مناسبة للتحدث في أمور عديدة باستثناء باندونغ أي بعبارة أخرى مجرد ظل باهت لها.
ـــــــــــــــــــ
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة