تزايدت الضغوط على سوريا بدرجة كبيرة في الفترة الأخيرة وبدا ذلك من تداعيات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، ويرى مراقبون أن دمشق باتت بذلك تدرك تماما حجم الضغوط الممارسة عليها كما تدرك أن التصريحات الأميركية هي من قبيل الجد الذي لا غبار عليه.

فالرئيس بشار الأسد يقول في مقابلة نشرت مؤخرا إن الضغوط الأميركية الحالية على سوريا تشبه تلك التي وقعت على العراق قبيل الغزو عام 2003 ويذهب إلى أبعد من ذلك فيؤكد أن دمشق تتوقع حربا أميركية عليها منذ سقوط بغداد.
 
وقد فتح اغتيال رفيق الحريري الباب على مصراعيه أمام ضغوط أميركية متزايدة على سوريا وبالرغم من أن دمشق لم تلمح إلى جديد في موقفها داخل لبنان فإن القراءة السورية تصر على أن المطلوب منها هو في العراق وليس في لبنان وأن الضغوط بما فيها تلك المتعلقة باستضافة المنظمات الفلسطينية إنما تستهدف تقديم تنازلات من النوع الباكستاني في العراق.

فما المطلوب من سوريا إذن؟ الرئيس السوري في مقابلته مع "لاربوبليكا" الإيطالية يؤكد احتياج واشنطن لسوريا لدورها المحوري في عملية السلام بالشرق الأوسط والاستقرار في العراق.
 
وحتى لا يفهم الكلام في سياق التعميم يشرح الأسد الطلب الأميركي المتلخص في ضبط الحدود قائلا إن دمشق لا تملك إمكانات "السيطرة التامة على 500 كيلومتر من الحدود الصحراوية السهلة الاختراق".

ويمضي أكثر في توضيح أن دمشق استقبلت مبعوثا من وزارة الدفاع الأميركية وبينت له مثلما فعلت مع وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس حاجة سوريا لـ"أجهزة للرؤية الليلية وأنظمة، بل ذهبت سوريا لأبعد من ذلك حسب تصريحات الأسد إذ أنها اقترحت "في أكتوبر/تشرين الأول الماضي تشكيل دوريات مشتركة سورية وأميركية على الحدود السورية العراقية".

وقبل أيام تحدثت التقارير عن اعتقال الأخ غير الشقيق لصدام حسين في بيروت "بوشاية سورية دلت الأميركيين على الرجل" الذي تتهمه الحكومة العراقية الحليفة لواشنطن بتنظيم بعض العمليات العسكرية ضد الأميركيين في العراق كما أنه أحد أهم المطلوبين لدى هؤلاء في  العراق.

صحيفة ديلي تلغراف وصفت هذه العملية قائلة إن "سوريا تغازل الكارثة على جبهتين", مشيرة إلى أن الضغوط تزايدت على سوريا بعد استقالة الحكومة اللبنانية، ولم تنس الصحيفة أن تقول إن "سوريا متمالئة مع المتمردين في العراق".

وتورد  صحيفة تايمز أن تسليم سوريا الأخ غير الشقيق لصدام حسين "لن يجعلها تمتص النقمة الدولية المتزايدة عليها", مضيفة أنها "تحتاج إلى استخدام أوراق أفضل من تلك الورقة".

الخطوة السورية الثانية التي تبدو في اتجاه الحلحلة بإجماع المراقبين هي استعدادات دمشق لتطبيق اتفاق الطائف واعتباره تطبيقا للقرار الدولي رقم 1559 كما اتجهت لامتصاص ضغوط المعارضة اللبنانية بما وصفه محللون "بدفع حكومة عمر كرامى للاستقالة وتشكيل حكومة تلبي بعض المطالب الملحة ولا تضر بمصالح سوريا".

بشار الأسد أوضح الموقف الإستراتيجي الدقيق لسوريا في لبنان بالقول إن الانسحاب ممكن -من الناحية الفنية- مع نهاية هذه السنة غير أنه من الناحية الإستراتيجية لن يتم ما لم "نحصل على ضمانات جادة".

بعد هذه العروض والاقتراحات السورية العملية التي تحتاجها واشنطن فعليا وتعلن على الملأ حاجتها لها يمكننا أن نتساءل لماذا تواصلت الضغوط الأميركية على دمشق؟

الواقع أن واشنطن تريد من دمشق أكثر مما قدمت وبالتحديد فإن التجربة الأميركية في أفغانستان دلت واشنطن على أن حليفا حدوديا أساسيا متعاونا بدون حدود يمكن أن يقلص خسائر الحرب ويساعد في شل قدرات الخصم بدرجة كبيرة.

لقد تجاوز التعاون الأميركي الباكستاني كل هذه التنازلات السورية، فباكستان كانت حليفا أساسيا في إسقاط نظام طالبان والحرب على القاعدة فقد أقامت دوريات مشتركة مع الأميركيين على الحدود الأفغانية ولم تكتف بذلك بل سلمت العشرات من قيادات القاعدة وقتلت مثل ذلك كما أباحت للأميركيين استخدام قواعد برية وجوية في البلاد.

وفوق ذلك فإن باكستان شكلت حليفا يحمل العبء عن الأميركيين سياسيا وأخلاقيا فهي تدير الحرب على الأفغانيين كما يدريها الأميركيون وهي تحمل عبء الحرب على القاعدة كما تحمله واشنطن وتقوم بالأدوار نفسها التي يقوم بها الأميركيون دون تقصير أو حرج.

لذلك ترى واشنطن أنها بحاجة إلى حليف حدودي في العراق يقوم بالدور الباكستاني تماما في أفغانستان وهو ما لا يتوفر إلا في سوريا التي تتحدث مع العراق بلسان واحد وتشترك معه في حدود طويلة ولديها الخبرة الكافية في التعامل مع أفراد نظامه السابق وتملك عنه قاعدة معلومات وخبرة تعاط تؤهلها للقيام بما قامت به باكستان في أفغانستان.


________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة