في قرية تولستوي يورت الشيشانية نفذت موسكو أمس الأول أهم وأخطر ضرباتها ضد الطموح الشيشاني للاستقلال عن روسيا.
 
ففي هذه العملية نجحت موسكو في اغتيال أصلان مسخادوف آخر رئيس شيشاني منتخب في انتخابات ديمقراطية, والذي كان مجرد وجوده على قيد الحياة دليل اتهام دائم ضد موسكو ودليل إدانة وطعن بشرعية كل ما تقوم به في الشيشان منذ العام 1999.
فالانتخابات التي أتت بمسخادوف عام 1997 كانت ديمقراطية وتعددية ترشح فيها منافسون كثر بينهم رفيقه حاليا في حرب العصابات على موسكو القائد الميداني شامل باساييف.
كما أن نتائج تلك الانتخابات حظيت باعتراف موسكو نفسها والمجتمع الدولي خصوصا أن نزاهة الاقتراع حظيت بشهادة مراقبي الاتحاد الأوروبي الذين أشرفوا عليها بأنفسهم.
 
واستمرت شرعية مسخادوف قائمة بنظر الأوروبيين والولايات المتحدة رغم احتلال أراضي الشيشان من قبل روسيا عام 1999وتحويله إلى طريد في جبال الشيشان.
"
المصير المأساوي لمسخادوف تحدد مبكرا جراء الظروف التي انتهت بها الحرب الشيشانية الأولى عام 1996 وصراعات داخل الكرملين, إضافة إلى تأثر الشيشان نفسها بتيارات الإسلام السياسي التي وفدت إلى القوقاز بعد انتهاء الحرب الأفغانية
"
 
وهذا ما يفسر أن ردود الفعل المنددة باغتيال مسخادوف أتت حصرا من عاصمتين أوروبيتين هما بروكسل ولندن حيث مقر الاتحاد الأوروبي والمكان الذي يقيم فيه ممثل القيادة الشيشانية بالمنفى أحمد زكاييف.

موسكو والمجاهدون
والواقع أن المصير المأساوي لمسخادوف تحدد مبكرا جراء الظروف التي انتهت بها الحرب الشيشانية الأولى عام 1996 وصراعات داخل الكرملين, إضافة إلى تأثر الشيشان نفسها بتيارات الإسلام السياسي التي وفدت إلى القوقاز بعد انتهاء الحرب الأفغانية.
 
فقد انتهت الحرب الشيشانية الأولى بناء على اتفاق وقعه مسخادوف والجنرال ألكسندر ليبيد -الذي كان سكرتيرا لمجلس الأمن القومي- عام 1996. واعترف ليبيد، الذي قتل لاحقا في حادث تحطم طائرة في سيبيريا، بأن الاتفاق كان هدفه إنقاذ جيش روسيا الجائع ممن تورط لا تستطيع البلاد تحمل أكلافه. وهو ما دفعه إلى توقيع اتفاق يسمح للشيشان بممارسة سيادتها على أن يبحث الاستقلال الناجز بعد خمس سنوات بما لا يتعارض مع دستور البلاد.
ولم تنعم الشيشان جراء الاتفاق إلا بانتخابات جاءت بمسخادوف الذي لم ينجح خلال عامين في إقناع أوروبا والغرب بتقديم المساعدات وجلب الاستثمارات, لتنتهي فسحة السلام التي دامت عامين إلى أمرين:
- تزايد صراعات الكرملين على خلافة الرئيس بوريس يلتسن التي برز في سياقها رئيس الوزراء فلاديمير بوتين.

- واتساع طموحات القائد الشيشاني شامل باساييف الذي شكل مجلسا لشورى المجاهدين في منطق القوقاز.
 
"
مسخادوف رغم إصراره على الانخراط في حرب لم يريدها مع موسكو, بقي إلى جانب وضعه الاعتباري راعي دعوات التهدئة والتفاوض مع الروس وصمام الأمان الذي يخفف اندفاع المقاتلين الشيشان نحو حرب شاملة على روسيا شعبا ودولة
"
ومع دخول باساييف في مغامرة عسكرية في داغستان المجاورة لاحت الفرصة أمام بوتين ليجعل من تأديب الشيشانيين تمرينا في حرب روسيا على ما يسمى الإرهاب, وعتبة لاستعادة الهيبة المهدورة للدولة الروسية والقفز أيضا إلى سدة الرئاسة, بعد أن رأى يلتسن فيه أصلح رجاله لمهمة الخلافة.

أفضل الحلول
وبديهي أن اجتياح الشيشان في سبتمبر/ أيلول 1999 بداعي قطع دابر الإرهاب كان أفضل الحلول كي تتخلص فيه موسكو من مطلب الاستقلال الشيشاني. وهو ما لم يكن بالمتناول مع وجود رئيس منتخب لم تنقص من شرعيته جولتا انتخابات رئاسية أتت إحداهما بأحمد قديروف الذي قتل الصيف الماضي, وبعلي أليخانوف الموجود في غروزني حاليا.
ومسخادوف رغم إصراره على الانخراط في حرب لم يريدها مع موسكو, بقي إلى جانب وضعه الاعتباري راعي دعوات التهدئة والتفاوض مع الروس وصمام الأمان الذي يخفف اندفاع المقاتلين الشيشان نحو حرب شاملة على روسيا شعبا ودولة.
واستهداف موسكو للرجل بعد عامين من اغتيال سليم خان يندرباييف في الدوحة يأتي في سياق إزاحة كل الرموز الشيشانية المعتدلة والمتمتعة بقبول دولي. وهذا ما يفسر تشديد فلاديمير بوتين بعد الاغتيال على القيام بالمزيد من العمل في الشيشان ومضاعفة الجهود من أجل ما وصفه بحماية الشعب الشيشاني وحماية روسيا ممن أسماهم اللصوص.
ـــــــــــــــــــــ

المصدر : غير معروف