الفقر أجبر أطفالا في أوروبا على الهروب من بلدانهم (رويترز-أرشيف)
 
 
أصدر صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسيف) تقريرا حول معدلات الفقر بين الأطفال وصغار الشباب في الدول الصناعية الكبرى، دق فيه جرس الإنذار بشكل قوي حول زيادة نسبة انتشار الفقر بينهم، بشكل مثير للقلق.
 
فقد رأت الدراسة التي صدرت الثلاثاء أن أطفال سبع عشرة دولة من بين أربع وعشرين من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يزداد فقرهم بشكل كبير، حيث ارتفعت نسبتهم بمعدلات مختلفة.
 
وتحتل المكسيك والولايات المتحدة الأميركية المركزين الأول والثاني في نسبة الأطفال الفقراء التي وصلت إلى 27.7% و 21.9% على الترتيب. 
بينما تتراواح النسبة بين 0.5% في الدول الإسكندنافية و 4.3% في دول مثل لوكسمبورغ وتشيكيا وبولندا، وتتزايد كذلك المعدلات في دول مثل  ألمانيا وفرنسا، ليصل العدد الجمالي إلى خمسة وأربعين مليونا.
 
وقد اعتمدت الدراسة في تقييمها وقياسها لدرجة الفقر على نسبة ما تنفقه الأسرة من دخلها الشهري على أبنائها في التعليم والصحة وقضاء أوقات الفراغ، لا سيما في الشريحة التي تتحصل على رواتب وأجور تقل بنسبة 50% عن معدلات الأجور القياسية المتعارف عليها في تلك الدول.
 
ورأت الدراسة أن ظروف انتشار الفقر بين الأطفال تختلف من بلد إلى آخر، لكن قراءة متأنية في البيانات المنشورة في التقرير تشير إلى وجود علاقة وثيقة بين نسبة ما تنفقه الدول في دعم الأسر والشباب والأطفال، وبين انتشار معدلات الفقر فيها، حيث تنخفض في الدول الإسكندنافية بشكل ملحوظ مقارنة مع بلدان مثل سويسرا وألمانيا وبريطانيا، التي تراجع فيها الدعم الحكومي للمجالات الاجتماعية بشكل كبير.
 
وتنفق الدول الإسكندنافية حوالي 15% من الناتج القومي العام في تمويل المجالات الاجتماعية للأسرة والأطفال في مقابل تراجع هذه النسبة بشكل كبير في بقية الدول الصناعية الكبرى، وبشكل لا يتناسب مع قوتها الاقتصادية وما تحققه من أرباح فلكية في المجالات التجارية ومعدلات النمو.
 
أسباب الظاهرة
ومن بين أهم الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، لجوء أغلب الدول الصناعية الكبرى إلى تقليص دور الحكومة في جميع المجالات، بما فيها الاجتماعية أيضا، والتحول تدريجيا إلى أن يتحمل كل فرد في مجتمعاتها مسؤوليته الخاصة، وهي المرحلة التي بدأت فيها تلك الدول في خطوات جدية للتخلص حتى من مجالات الخدمات العامة الأساسية مثل الكهرباء والطاقة والماء والمواصلات والبريد وصولا إلى مسؤولية الأمن والشرطة وتحويلها إلى القطاع الخاص أو الشركات المساهمة المشتركة، والتي لا تهتم في العادة بالجانب الاجتماعي بقدر ما تركز على حسابات الربح والخسارة.
 
"
تشير الدراسة إلى أهمية البعد الاجتماعي في تفاقم المشكلة، حيث تعاني نسبة غير قليلة من الأطفال والشباب من مشاكل عائلية بسبب التفكك الأسري، الناجم عن غياب أحد الأبوين أو كليهما
"
كما تشير البيانات المرفقة بالدراسة إلى أهمية البعد الاجتماعي في تفاقم المشكلة، حيث تعاني نسبة غير قليلة من الأطفال والشباب من مشاكل عائلية بسبب التفكك الأسري، أو عدم وجود أحد الطرفين (الأب أو الأم) أصلا، مما يشكل عبئا على من يقوم برعايتهم، فضلا على انتشار معدلات البطالة في أغلب الدول الصناعية الكبرى بشكل كبير وفي قطاعات مختلفة.
 
وتحذر الدراسة من انعكاسات هذه الظاهرة على مجالات مختلفة، مثل الصحة بسبب عدم توفير الغذاء المناسب، والسلوك العام، والتحصيل والدراسة، أما الأطفال المنحدرين من أسر وعائلات مهاجرة، فقد تكون انعكاسات تلك الظاهرة عليهم أكبر، إذ أنهم لن يتلقوا التعليم الكافي، وسيعانون مستقبلا من الاندماج في المجتمعات الجديدة التي نزح إليها آبائهم، فضلا على انتشار معدلات البطالة بين الجميع (المهاجرين وأبناء البلد) مما يهدد التركيبة الاجتماعية بشكل لا يحقق الاستقرار الداخلي فيها.
 
معالجة المشكلة
وقد نصحت الدراسة بتوصيات هامة من بينها أن تعالج الدول الصناعية الكبرى الملفات الاجتماعية لديها استنادا إلى ما تحققه من ناتج قومي ومتطلبات الأجيال الشابة الجديدة لتحقيق تطلعاتها وسد الثغرات التي ظهرت في السنوات الأخيرة والمتفاقمة من عام إلى آخر، مع وضع برنامج زمني واضح للقضاء على ظاهرة فقر الأطفال في الدول الصناعية الغنية.
 
ويحذر الخبراء من التهاون في معالجة تلك الظاهرة بشكل حاسم وسريع، حيث سيكون لها انعكاسات على مستقبل أوروبا الصناعي، فالأجيال الفقيرة لا تستطيع أن تتعلم أو تنتج وبالتالي تتهدد مكانة أوروبا الاقتصادية.
 
وطبقا لهذه الدراسة التي كان أغلب المحللين يتوقعون نتائجها فإن مطالبة دول الشمال الغنية بإنقاذ أطفال العالم في البلدان النامية من الفقر، أصبحت دعوة لا تحمل أكثر من كونها كلمات مكتوبة، فإذا كانت الدول الصناعية الكبرى تبخل على أبنائها بالدعم الاجتماعي والرعاية اللازمة، فهل من المنطقي أن تُنتظر منها مساعدة لدول العالم النامية؟


_______________
الجزيرة نت
 
 

المصدر : الجزيرة