الخرطوم تنازلت عن تسيير مدارس النازحين بعدما تجاوزت أعدادهم إمكاناتها (الجزيرة نت)

إلياس تملالي-الخرطوم

مع بداية الجفاف واندلاع حرب جنوب السودان فر مئات آلاف السودانيين من لهيب المعارك إلى ضواحي الخرطوم، ولم يكن بإمكان الحكومة المنهكة التكفل بتعليمهم مما جعلها تتنازل عن تسيير المدارس "مؤقتا" لمؤسسات غير حكومية ظلت الكنيسة والمنظمات الإسلامية تتجاذبها منذ ذلك الحين.

كانت بدايتي مع سكرتير تعليم المدارس المطرانية الأب وليام دينق ميان الذي اعتبر أنها جاءت لتستوعب النازحين الذين لم يكن بإمكانهم دخول مدارس الحكومة، ليس لعجزها وإنما للتعقيدات التي تفرضها من اعتبارهم تجاوزوا السن المسموح، إلى مطالبتهم بإثبات مستواهم في وقت فقد الكثير منهم وثائقه في الحرب.

ويقول الأب ميان إن بناء "مدارس النازحين" جاء لسد الحاجة لتعلم الديانة المسيحية لأن مدارس الحكومة كانت تمارس الدعوة وسط غير المسلمين، عكس المدارس المطرانية التي يصفها بأنها رمز للتسامح لاستقبالها فقراء المسلمين حتى من دارفور وتقديمها الدروس مجانا وفق المنهج الحكومي.

ورغم أن ميان يقر بأن التربية المسيحية معترف بها في مدارس الحكومة فإنه يؤكد أن الكنيسة هي من يدفع أجور معلميها، كما أن تلاميذها لا يستطيعون حضور الدروس في المدرسة وإنما في الكنيسة القريبة من بيتهم وفقط أيام الجمعة, ومع ذلك لم تسلم من "بطش السلطات" التي كانت تمنع بناءها بمواد ثابتة لتسهل إزالتها, بل وحاولت تصنيفها كمدارس خاصة ما يعني "دفعها مبالغ طائلة".

ميان: المدارس الكنسية رمز للتسامح والحكومة كانت تضيق علينا (الجزيرة نت)
التمويل الخارجي
ويقلل الأب ميان من أهمية المخاوف التي تثار في السودان بسبب تمويل المدارس التابعة للكنيسة من قبل جهات خارجية، ويؤكد أن هذه الأموال تصب في ثماني مدارس مطرانية تستوعب نحو 45 ألف تلميذ.

وقد ظلت هذه المدارس لوقت طويل محل ريبة السلطات التي اعتبرتها نقطة استقطاب للحركة الشعبية لتحرير السودان، خاصة أن أغلب مرتاديها من الجنوب دون أن تكون قادرة على الاستغناء عنها.

ويرى مدير التعليم غير الحكومي في وزارة التربية الدكتور محمد محيي الدين أن الادعاء بأن مدارس النازحين جاءت لأن الحكومة لم تتكفل بهوية المسيحيين الثقافية والدينية عار عن الصحة، موضحا أن التربية المسيحية تدرس بمدارس الحكومة. غير أنه أشار إلى أن عدد طلاب كل مادة هو ما يحدد جدولها الزمني، لأنه لا يمكن برأيه تجنيد معلم من أجل تلميذ أو بضعة تلاميذ.

وفي رده لسؤال للجزيرة نت حول موقف الحكومة من مسألة تلقي طلاب مسلمين التعليم في مدارس الكنيسة نظرا لحاجتهم المادية، أكد محيي الدين أن الدولة تضع أهداف المدارس الكبرى وتراقبها، لكنها تعجز عن مراقبة بعض المدارس نظرا لعوامل المسافة.

وأوضح المسؤول الحكومي أن الكنائس رفضت مطالب للحكومة باستيعاب بعض المدارس التي تتولى الكنيسة الإشراف عليها، وذلك كون المدارس الحكومية لا توفر إفطار الصباح ولا خدمات النقل ولا تقدم معونات لأسر التلاميذ، وهو أمر أقر به محيي الدين وإن كان ألمح إلى أن هذه المساعدات غير بريئة.

في المقابل وافقت منظمات إسلامية تشرف على عدد من المدارس التخلي عن بعضها للحكومة، وقال محيي الدين إن بعض المدارس الكنسية تجاوزت أهدافها التربوية وسيست الفصول، غير أنه أكد أن مراقبة التمويل الخارجي لا يقع على عاتق وزارة التعليم بل على الأجهزة الأمنية.

فصول الدراسة كثيرا ما تختلط ببائعات الأطعمة في مدارس النازحين (الجزيرة نت)
مدارس الدعوة
غير أن انتشار المدارس الكنسية على كثرته لا يغطي دور مدارس المنظمات الإسلامية خاصة التي أنشأتها منظمة الدعوة الإسلامية والتي تتكفل بأكثر من 65 ألفا في كل السودان بما فيها رياض الأطفال والمدارس الأساسية والثانوية، وتشكل مدارس النازحين جزءا هاما من نشاطها بأكثر من 17 ألفا في الخرطوم وحدها.

ويرى مدير التعليم والشباب بمنظمة الدعوة الإسلامية في الخرطوم محمد مصطفى الشريف أن مدارس المنظمة تنافس المدارس الكنسية رغم تناقص التبرعات الخارجية بسبب الرقابة على المنظمات الخيرية الإسلامية, ما جعل المنظمة تسد النقص بالاستثمار في السودان لتتحول إلى مؤسسة ذات تمويل شبه ذاتي.

ويرى الشريف أن العلاقة بالسلطات ظلت طيبة لأن المنظمة لم تتدخل في السياسة.

وللمنظمة 35 مدرسة أساسية في الخرطوم، وقد أوضح رئيس بعثة مدارس جنوب الحزام عزام أحمد الأمين أثناء مرافقته وفد الجزيرة نت إلى مدرسة مصعب بن عمير أن انتشار مدارس المنظمة أقل من نظيرتها الكنسية لأنها تركز على المستوى بخلاف الأخرى التي "تريد تحقيق الانتشار أولا ولو بمتطوعين ضعيفي التكوين".

مدرسة مصعب بن عمير بنيت في منطقة غير مخططة وهو ما يعني غالبا أن البناء يكون بالمواد غير الثابتة, وقد وجدنا بعض التلاميذ يفترشون الأرض, لكننا لمسنا أيضا تآلفا بين التلاميذ مسلميهم ومسيحييهم يبدو صادقا في هذه السن على الأقل.

وفي هذا السياق تقول فيولا يون بنت جوبا ذات الستة عشر ربيعا ردا على سؤال حول طبيعة علاقتها مع زميلاتها المسلمات بالمدرسة "كلهن صديقاتي وكلنا سودانيات".
____________
موفد الجزيرة نت

المصدر : غير معروف