السوق العربي بوسط الخرطوم خليط من التجار ومعاقي حرب الجنوب(الجزيرة نت)
 
 
في السوق العربي بوسط الخرطوم يصطف الباعة على جانبي الطريق يعرضون كل شيء من الجوارب إلى الأجهزة الإلكترونية ويقف بينهم رجال يتكئون على عكازات.
 
هؤلاء هم معاقو حرب الجنوب التي استمرت أكثر من 20 سنة, وقد اضطروا إلى الاشتغال بالتجارة لسد رمق عائلاتهم لأن المرتبات التي يصرفها لهم الجيش السوداني -حسب قولهم- لا تفي بحاجاتهم وحاجات أسرهم التي قلما يقل عدد أفرادها عن خمسة.
 
الباقر أحمد (27 عاما) ينحدر من منطقة كوستي على النيل الأبيض جنوبي الخرطوم، وكان يشتغل في وحدة راجمات الصواريخ قبل أن ينفجر فيه لغم أرضي في منطقة جوبا عام 1993 خلال اشتباك عادي مع قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان فقد على إثره إحدى رجليه.
 
معاقو حرب الجنوب آخر المستفيدين من ثمار السلام في الجنوب (الجزيرة نت)
ويبيع الباقر مجموعة من الجوارب تكسبه حوالي 85 ألف جنيه شهريا، ولكنها تجارة شبيهة بلعبة القط والفأر فعند وصولنا السوق وجدناه يلملم حاجاته في عجلة من أمره هربا من مداهمة رجال الشرطة التي قلما تعتقل أحدهم ولكنها لا تسمح لهم بالاشتغال في هدوء فهي تتردد على المكان كل ساعة أو ساعتين.
 
بالنسبة للباقر فإن اتفاق السلام وإن كان إيجابيا فقد جاء متأخرا وكان يمكن أن يبرم في عقد التسعينيات حتى يجنبه وزملاءه عاهة الإعاقة ونظرات الشفقة أو الاحتقار في عيون المواطنين.
 
ويرى أن السلام ما كان ليتحقق لولا تضحياته وزملائه، معتبرا أنهم آخر المستفيدين من ثماره بدليل أنه لا يستطيع حتى الحصول على محل صغير في السوق العربي يمارس فيه تجارته مطمئنا وبشكل شرعي.
 
ضريبة الحرب
أما داود مختار الذي كان عريفا في الجيش السوداني فيرى أن الضريبة التي قدمها كانت غالية بعد أن فقد رجله اليسرى في انفجار لغم في منطقة طمبرة على الحدود مع الكونغو الديمقراطية.
 
ويقول إن السلام بالنسبة له لا يعدو أن يكون سلاما بين الرئيس عمر البشير وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق لذا فهو -حسب قوله- غير معني به الآن على الأقل.
 
من جهته يرى سليمان وهو عريف شلت رجله اليسرى في انفجار لغم في سبتمبر/أيلول 1991 بمنطقة طمبرة كذلك، أن السلام لم يحمل ثماره ما دام غير قادر على سد رمق أطفاله الأربعة.
 
كما أن نميري جون الاحتياطي السابق في شرطة مكافحة الشغب والذي فقد هو الآخر رجله في انفجار لغم في منطقة بازي على الحدود مع الكونغو الديمقراطية، قال إنه لا يشكو فقط مضايقات رجال الشرطة بل كذلك نفور المواطنين الذين "لا يطيقون منظر عاهات المعطوبين".
 
مفارقات الحرب
معاقو الحرب يعرضون بضائعهم ويترقبون الشرطة (الجزيرة نت)
غير أن الفكي حامد على عكس زملائه لم يفقد رجله في قتال ضد متمردي الجنوب بل في انفجار لغم داس عليه خلال نجاته بنفسه من قصف نفذته بالخطأ القوات الجوية السودانية في منطقة نمولي بجنوب السودان.
 
لذا كانت مرارته ربما أكبر من زملائه إذ يعول خمسة أولاد بمردود لا يتعدى الخمسة آلاف جنيه يوميا، وتصل به هذه المرارة إلى حد القول إنه كان جدير به القتال إلى جانب قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان لأنها في رأيه كانت الجانب المنتصر في الحرب.
 
الفكي نموذج لمفارقات الحرب السودانية التي لا تفرق بين "الصديق والعدو" فحسب بل لا تفرق بين شمالي وجنوبي وعربي وأفريقي ولا مسلم ومسيحي, وهو يذكر جيدا أن الوحدة العسكرية الحكومية التي كان يقاتل فيها كانت تضم مسيحيين من الجنوب يقاتلون مسلمين في الحركة الشعبية المتمردة.

عدد معاقي حرب الجنوب الذين يشتغلون بالتجارة في السوق العربي في الخرطوم يقدر بحوالي 300 وهم ينظرون إلى اتفاق السلام بعين الأمل لكن مطلبهم الرئيس ليس أن يحرص الطرفان على تنفيذه بل فقط أن يسمح لهم بأن ينشروا سلعهم على جانبي الشارع من أجل سد رمق عائلاتهم في انتظار ما قد يحمله الاتفاق من ثمرات, لأن الحرب كما يقول الباقر أحمد "بدأت به وزملاءه وبهم يجب أن تنتهي".
ــــــــــــــ
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة