سرايا عبد الرحمن المهدي لا يصلح مقرا لدار وثائق هي الثانية من نوعها بأفريقيا والعالم العربي (الجزيرة نت)

 
 
المبنى الذي يحتضن دار الوثائق السودانية هو رمز للتاريخ السوداني الحديث فقد كان سرايا عبد الرحمن المهدي أحد رموز الحركة الوطنية الذي قاد ما يمكن تسميته بالمقاومة السلمية ضد الإنجليز بعد أن قاد أبوه المهدي الكبير الثورة المسلحة ضدهم, إلا أن البيت على جماله ورمزيته لم يكن مهيأ ليحتضن ذاكرة السودان التي تمتد عبر آلاف السنين.
 
ظهرت فكرة إنشاء جهاز للوثائق السودانية لأول مرة على يد قائد المخابرات المصرية في القرن التاسع عشر وينجت باشا الذي أصبح بعد الاحتلال الثنائي البريطاني المصري حاكما عاما للسودان، لينشئ قلم المخابرات السودانية ويجند العملاء ليرصدوا كل المعلومات المتعلقة بدولة عبد الله التعايشي خليفة المهدي.
 
وكان الجهاز مكلفا بجمع كل معلومة عن الأرض والسكان والتاريخ خاصة ما تعلق منها بدولة المهدي التي كانت تمتلك إدارة متكاملة وإنتاجا فكريا كانت توثقه مطبعة حجرية ورثت عن الأتراك موجودة الآن في متحف السودان, وكان للبريطانيين الفضل في تحديث هذا الجهاز عندما أرادوا عام 1916 تنظيم الأوراق الإدارية في كامل السودان.
 

ملايين الوثائق السودانية تنتظر وسائل الحفظ الحديثة (الجزيرة نت)

30 مليون مخطوط
وقد شهدت دار الوثائق "سودنة" المناصب فيها مباشرة بعد أن خلف البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم البريطاني هولت في الإشراف على الدار عام 1955 فور تخرجه في الجامعة قبل أن تتحول التسمية عام 1982 إلى "الدار القومية للوثائق".
 
ورغم كم الوثائق الهائل الذي تحتفظ به الدار ودورها ليس في ترسيم حدود السودان فحسب بل أيضا في إثبات أحقية دول مجاورة على مناطق متنازع عليها كما كان الحال في النزاع على طابا بين مصر وإسرائيل, فإن الدار أبعد ما تكون عن الاستجابة لمواصفات دور الوثائق الحديثة أو أن تعكس الدور الذي لعبته وتلعبه في حفظ الذاكرة السودانية.
 
وتقول مديرة البحوث والمخطوطات إخلاص مكاوي محمد علي إن المبنى الحالي لا يصلح دار وثائق لضيقه وغياب التجهيزات اللازمة سواء لحفظ الوثائق أو للحيلولة دون سرقتها, وهو ما يعني أن على المسؤولين أن يراقبوا شخصيا الباحثين الأجانب الذين يأتون لمراجعة وثيقة ما, فلا توجد كاميرات ولا أجهزة إنذار, وطالما حاول بعضهم سرقة وثائق كلها أصلية فيما يفترض ألا يطلعوا إلا على النسخ.
 
وتضيف أن غياب قانون وطني لحماية الوثائق سهل من تسرب بعضها إلى خارج الوطن, إضافة إلى الخطر الذي يشكله تجميع وثائق بلد بأكمله في مكان واحد بدل توزيعها على مناطق عدة, وظهر هذا الخطر جليا في فيضانات 1988 عند تضررت الدار جزئيا من المياه.
 
وتحتوي تلك الدار على حوالي ثلاثين مليون وثيقة ما يجعلها الأكبر في أفريقيا والعالم العربي بعد مصر, إلا أن الكثير من السودانيين مواطنين بسطاء وشخصيات ثقافية وسياسية معروفة يحتفظون بوثائق مهمة في مكتباتهم الشخصية وبعضهم يوصي بها للدار عند موته وبعضهم لا يوصي.
 

إخلاص مكاوي تدعو لمراقبة الباحثين الأجانب شخصيا لغياب الكاميرات وأجهزة الإنذار (الجزيرة نت)

محل جديد
غير أن أهمية دار الوثائق لا تكمن فقط في حفظها ذاكرة السودان بل أيضا في حلها كثيرا من الصراعات القبلية سواء تعلق الأمر بجنوب البلاد أو دارفور، كما في الصراع بين قبيلتي المعاليا والرزيقات إذ يرجع خلال هذه النزاعات إلى الأمثلة التي تعامل بها الاحتلال الثنائي البريطاني المصري مع مشاكل الإثنيات في ما يشبه القياس.
 
وقد يتعلق الأمر أحيانا بالقضايا العادية التي تتناولها المحاكم  يوميا كادعاء أحدهم أنه يمتلك وثيقة أصلية تثبت أحقيته في أرض ما, ويرجع حينها إلى دار الوثائق التي تقارنها بوثائق من نفس الفترة المزعومة عن طريق معاينة طبيعة الورق والحبر وطريقة الكتابة وحتى الأسلوب والكلمات المستعملة.
 
وقد بدأت دار الوثائق السودانية مؤخرا في الأرشفة الإلكترونية لمخطوطاتها في انتظار الانتقال إلى الدار الجديدة، واسترجاع الوثائق التي استولى عليها الإنجليز بعد خروجهم من السودان والتي لم يسمح لحكومة الخرطوم باستردادها حتى الآن.
_______________
موفد الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة