اثنتا عشرة ساعة في مناطق الجنجويد بدارفور
آخر تحديث: 2005/2/12 الساعة 00:18 (مكة المكرمة) الموافق 1426/1/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/2/12 الساعة 00:18 (مكة المكرمة) الموافق 1426/1/4 هـ

اثنتا عشرة ساعة في مناطق الجنجويد بدارفور

مدرسة تعايشة مغلقة منذ سنتين بعد أن هجرها المعلمون (الجزيرة نت)
 
كانت الثانية عشرة والنصف نهارا عندما وصلت سيارات "العون الكنسي النرويجي" قرية "تعايشة" (50كلم شرق مدينة نيالا), وكان أول ما وقعت عليه الأعين سيارة حكومية ثبت عليها مدفع رشاش, فالمنطقة لم تعد خطرة تماما لكن دروبها ليست كذلك و"الجنجويد" يطرقون ليل نهار.

قرية تعايشة تسكنها قبيلة المسيرية ذات الأصول العربية, وقد وجدنا القرية ضاقت بمئات النازحين قالوا إنهم "فزعوا إلى أهلهم" هربا من هجمات ما يسمونها المعارضة وهو ما يعني عندهم "جيش تحرير السودان" إحدى الفصيلين المسلحين بدارفور.

واد وقبيلتان
قبل أن ندخل تعايشة قطعنا واديا بعرض 15 مترا كانت تسكن ضفته الغربية قبيلة "الداجو" ذات الأصول الإفريقية التي أخلت أكواخها خوفا من عمليات انتقامية بعد أن اتهمتها قبيلة المسيرية في الضفة الشرقية بإيواء "عناصر المعارضة".
 
وقد ذكر رئيس لجنة القرية للجزيرة نت أنه لم يسبق لأي منظمة إنسانية المجيء عدا إطلالة سريعة لـ"أطباء بلا حدود" حملت بعض الأدوية, مضيفا أن "منظمة العون الكنسي" النرويجية أول من يتفقد حال ساكنيها, علما بأن  منظمات أممية عدة ترفض نقل المساعدات تحت حراسة الحكومة لأنها تعتبرها طرف نزاع.

كما ذكر رئيس اللجنة أن مدرسة القرية مغلقة منذ سنتين, ورغم أن تعايشة أصبحت آمنة نسبيا منذ شهر يوليو/تموز الماضي تاريخ انتشار دوريات من "قوات الاحتياط المركزي" فإن الطريق إليها غير آمنة، مؤكدا أن المشاكل الرئيسية تتمثل في غياب أكواخ ملائمة للنازحين الذين لم يكن بإمكانهم توفير القش والقصب لأن موسم الحصاد كان شاحبا, إضافة إلى مشكل الطعام وغياب المراحيض الذي يهدد باندلاع الأوبئة.

عدم الأمن في نيالا دفع الآلاف إلى هجر قراهم والاحتماء بظهور قبائلهم (الجزيرة نت)
ورغم أن مخيمات النازحين من حول مدينة نيالا قد لا تكون أحسن حالا, فهي على الأقل على مرمى حجر من منظمات الإغاثة, فيما لا يستطيع أهل قرى كتعايشة النزوح إلى المخيمات لأن قوتهم الرئيسي هو الماشية, إضافة إلى بعدها وصعوبة المسالك.

وقد تطلب الأمر منا ترخيصا خاصا ومرافقة عمدة القرية الضي حامد أسد تجنبا لأي حادث أو سوء فهم, ففي مثل هذه المهمات فإن لون البشرة وحده قد يكون قاتلا، إذ قد يخون صاحبه ويكشف انتماءه لهذه القبيلة المعادية أو تلك.

رجال ملثمون
على بعد كيلومتر من تعايشة تقع قرية "بركة لحم" وبها وجدنا حواء عين النور مع أولادها الثمانية بعد أن هربت مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي من قريتها بعد أن هاجمها "الملثمون".

وقد روت حواء للجزيرة نت كيف حل "الملثمون الزرق" صباحا فقتلوا زوجها ونهبوا كل شيء وانسحبوا بعد أن مكثوا خمس ساعات, وعندما سألتها إن كانوا يتفوهون بأي كلام قالت إنهم كانوا يقتلون وينهبون وكانت الماشية هدفهم الأساسي.

من له أقارب بنيالا لجأ إليهم أما البقية فاحتمت بالقبيلة التي قد توفر بعض الأمن لكنها لا توفر القوت والدواء اللازمين, وهو ما يعني أن على كل واحد تدبير أمره بالاحتطاب من أماكن بعيدة على ظهور الحمير, لتباع الحزمة بألفي جنيه تستعمل للطهو وتسقيف الأكواخ, لكن توفر الماء النقي الذي تضخه مضخات يدوية هون من الأمر قليلا رغم قلته.

عندما أصر قائد الدورية الحكومية الملازم بابكر على مرافقتنا بقية المشوار أخبره مسؤولو المنظمة الكنسية أنهم شاكرون لكنهم "يفضلون الانتقال دون حماية حتى لا يستفزوا أي طرف"، في إشارة إلى الحساسية التي قد تنظر بها بعض القبائل الأفريقية إلى سلاح الحكومة.

لا قوات أفريقية
رغم أن قوات الاتحاد الأفريقي انتشرت في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور فقد اقتصر وجودها الفعلي على "المناطق الساخنة", واستقرت بإحدى مدارس بلدة "لبدو" التي تبعد نحو عشرين كيلومترا, لكن الدوريات لا تصل تعايشة إلا بين الحين والآخر.
الاحتطاب على ظهور الحمير الوسيلة الرئيسية لكسب العيش في تعايشة (الجزيرة نت)
كانت آخر محطة في المشوار قرية نتيغا إلى الشمال الشرقي من نيالا التي تسكنها قبيلة المسيرية أيضا, وقد وجدنا بها بضع عشرات من العائلات من قبيلة "الترجم" ذات الأصول العربية والتي فزعت من الهجمات التي تعرضت لها في قرية "جورو" على بعد 15 كيلومترا.

وقد قدر النازحون عدد الهجمات بأكثر من عشرين هجوما علي أيدي من وصفوهم بـ"تورا بورا" وهو الاسم الذي يطلق على بدو قبيلة "الزغاوة" الأفريقية، وذلك في الفترة الممتدة من يونيو/حزيران إلى كانون الأول/ديسمبر الماضيين.

شاء البرنامج الذي وضعه "العون الكنسي النرويجي" لذلك اليوم أن تكون كل القرى التي حظيت بالزيارة "قرى عربية", لكن القرى الأفريقية امتدت هي الأخرى في طريق العودة مهجورة ومحروقة على غرار "مرير" و"أبو عضام".
في أحيان كثيرة لا يفصل القبائل العربية والأفريقية في نيالا إلا واد بعرض عشرين مترا, بل إن بعض القبائل الأفريقية احتمت أحيانا بنظيرتها العربية لما هوجمت, وهو ما لا تعكسه وسائل الإعلام.

الشرخ السياسي قد يكون كبيرا في دارفور إلا أن الشرخ الاجتماعي مازال قابلا للرأب, لكن جو الريبة وعدم الأمن بدأ يحول الصراع شيئا فشيئا من صراع بين معارضة وحكومة إلى صراع بين قبائل عربية وأفريقية جميعها يشتكي مع ذلك زيارات "الرجال الملثمين".



 ________________
المصدر : غير معروف