استعداد أوروبي للتخلي عن مصالحه مع طهران مقابل مكاسب سياسية مع واشنطن (الفرنسية)


رانيا الزعبي

عاد الملف النووي الإيراني مرة أخرى لواجهة الأحداث وذلك في أعقاب التصعيد الأميركي المفاجئ لهذا الملف، من خلال الضغط على الأوروبيين لدفعهم للتعامل بقسوة أكثر مع الإيرانيين بهذا الشأن، بعد أن كانوا توصلوا قبل أشهر عدة إلى اتفاق مع طهران، تضمن موافقة إيران على تعليق برامجها لتخصيب اليوارنيوم بشكل مؤقت.

ويرى المراقبون أن التصعيد الأميركي لم يكن ليثير قلق الإيرانيين، لولا أنهم لمسوا استجابة من الجانب الأوروبي للضغوط الأميركية، وهو ما حدا بالرئيس الإيراني محمد خاتمي في كلمة له أمس أمام دبلوماسيين غربيين للتأكيد بأن صبر بلاده بدأ ينفد من المفاوضات مع الأوروبيين، وتهديده بتبني سياسة جديدة ستكون لها عواقب وخيمة في حالة فشل هذه المفاوضات.

أسباب التصعيد
يرى المحلل السياسي الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين أن واشنطن عبرت منذ البداية عن عدم رضاها عن الاتفاق الذي توصلت إليه قبل أشهر عدة طهران والاتحاد الأوروبي والذي حال دون تنفيذ الرغبة الأميركية بإحالة الملف لمجلس الأمن الدولي، وفرض عقوبات على إيران.

وحسب شمس الواعظين فإن الإدارة الأميركية وجدت الآن أن معطيات الظرف السياسي في المنطقة تمكنها من إثارة الموضوع النووي الإيراني، خاصة بعد النتائج التي انتهت إليها الانتخابات في العراق، والتي تظهر أن الشيعة هم الذين سيتولون إدارة الحكم في العراق.

واشنطن تخشى من النفوذ الإيراني في العراق بعد وصول الشيعة للحكم (رويترز)
وحسب مراقبين سياسيين فإن واشنطن أرادت في حقيقة الأمر أن توصل لطهران ثلاث رسائل بإثارتها للملف النووي في هذه المرحلة، أولاها أن واشنطن تريد أن تأتي الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها طهران بعد أربعة أشهر بقيادة إيرانية "معتدلة" يمكنها أن تفتح حوارا مع واشنطن حول القضايا الخلافية بين الجانبين.

كما أن واشنطن تريد أن تؤكد لطهران على ضوء نتائج الانتخابات العراقية، أنها لن تسمح لها أبدا بأن تتدخل في الشؤون العراقية الداخلية، وأن وصول الشيعة للحكم في العراق لا يمكن اعتباره بعدا إستراتيجيا لإيران.

كما تسعى واشنطن لطمأنة بعض دول الجوار للعراق التي تخشى مما يسمى النفوذ الشيعي بالمنطقة.

التغيير الأوروبي
لكن السؤال الذي يثيره الموقف السياسي الراهن هو السبب في تبدل الموقف الأوروبي، الذي ظل حتى أشهر قريبة مضت متمسكا بإيجاد حل دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية بعيدا عن أروقة مجلس الأمن الدولي كما تريد واشنطن.

وتجري كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا محادثات مع إيران في محاولة لإقناعها بإنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم مقابل تقديم مساعدات في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، إلا أنها في الآونة الأخيرة رفعت لهجة خطابها ضد طهران.

وتصر إيران على أن لها الحق في تطوير ما تملكه من تكنولوجيا نووية، كما تصر على أن أغراض البرنامج سلمية، ومن أجل توليد الطاقة الكهربية.

يرى محمد شريعتي مستشار الرئيس الإيراني محمد خاتمي أن الضغوط والدبلوماسية الأميركية التي قادتها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس هي التي تقف وراء التبدل الواضح في موقف الأوروبيين.

وأشار في حديثه للجزيرة نت إلى أن طهران تلقت رسائل سياسية مفادها أن الأوروبيين قد يطالبوا طهران في المستقبل القريب بوقف برامج تخصيب اليورانيوم بشكل دائم، وهو الأمر الذي تطالب به واشنطن كشرط تعجيزي، خاصة أن طهران متمسكة بحقها الذي منحته لها المعاهدات الدولية بإنتاج الأسلحة النووية السلمية.

فيما عزا المحلل السياسي والصحفي المختص بالشأن النووي الإيراني محمد البياتي سبب التبدل في الموقف الأوروبي من الملف النووي الأوروبي للتقارب الأميركي-الفرنسي الذي حدث مؤخرا، خاصة بعد وصول الإدارة الأميركية الجديدة لسدة الحكم.

ويقول البياتي للجزيرة نت إن الإدارة الأميركية توصلت لاتفاق محاصصة مع فرنسا -التي كانت ترعى المفاوضات النووية مع طهران إلى جانب بريطانيا وألمانيا- وبموجب هذا الاتفاق أعطت واشنطن لباريس الحق في لعب دور في الشرق الأوسط من خلال دعمها للقرار (1559) الذي يدعو سوريا إلى الانسحاب من لبنان.

خاتمي حذر الأوروبيين من تغيير مواقفهم (رويترز)
ومقابل ذلك فإنه يتعين على فرنسا والأوروبيين التخلي عن التعامل بليونة مع الملف النووي الإيراني بما يخدم المصالح الأميركية التي تريد تحجيم إيران.

ويرى شريعتي أن الدول الأوروبية التي كانت تخشى على مصالحها التجارية مع طهران، وجدت أن تحالفها مع واشنطن قد يعود عليها بمكاسب سياسية أكبر في المنطقة، مثل المشاركة في مشروع "دمقرطة المنطقة" الذي تديره واشنطن.

وتتهم الولايات المتحدة إيران بأنها تطور أسلحة نووية سرا. وقد رفضت الولايات المتحدة استبعاد احتمال شن ضربة عسكرية على إيران، ولكنها قالت إنها ستحاول حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية.

حوار مباشر
ولكن بالرغم من التصعيد الأميركي الجديد فإن الإيرانيين واثقون من أن الأمور لن تصل إلى حد المواجهة العسكرية بين بلدهم والولايات المتحدة، وهذا ما أكده شريعتي للجزيرة نت، إذ قال إن بلاده ستتمسك بالحوار والنقاش.

ويقول شمس الواعظين إن طهران فهمت الرسالة التي تريدها واشنطن من خلال هذه الضجة التي تثيرها، مشيرا إلى أن الرئيس الإيراني السابق بعث رسالة إلى واشنطن أكد فيها استعداد بلاده لفتح حوار مباشر مع الإدارة الأميركية حول كل القضايا العالقة، شريطة أن تبادر الولايات المتحدة بخطوة حسن نية كالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في مصارفها منذ نحو 25 عاما.
_____________
الجزيرة نت

المصدر : غير معروف