الأمين العام للعدالة والتنمية المغربي: حزبنا سياسي وطني
آخر تحديث: 2005/10/16 الساعة 16:08 (مكة المكرمة) الموافق 1426/9/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/10/16 الساعة 16:08 (مكة المكرمة) الموافق 1426/9/14 هـ

الأمين العام للعدالة والتنمية المغربي: حزبنا سياسي وطني

سعد الدين العثماني
حاوره حسن السرات-الرباط
 
لا ينتهي الجدل حول حزب العدالة والتنمية المغربي، ومع اقتراب أجل الانتخابات في 2007، ارتفعت درجة حرارة الساحة السياسية في المغرب، وأصبح حزب العدالة والتنمية مقياسا لدرجات هذه الحرارة.
 
الجزيرة نت أجرت حوارا مع الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني لاستعراض جوانب من الحراك والتدافع بين الإسلاميين وخصومهم.
 

 بين الفينة والأخرى، يتعرض حزبكم لحملة تتباين شدتها كان أعلاها حملة ما بعد 16 مايو/أيار 2003، هل انتهت هذه الحملة؟ لماذا في نظركم هذه الحملات المتتابعة، وكيف تنظرون إليها ومن يقف وراءها؟

-من الطبيعي أن تجد قوة صاعدة في المجتمع مقاومة من قبل من كانوا يسيطرون ولو جزئيا على المشهد السياسي ويستفيدون من مواقعهم امتيازات مشروعة وغير مشروعة، فهم اليوم يجدون أمامهم فاعلا جديدا يهدد بتقلص المكان الذي يشغلونه بحكم تطور الأشياء. وهناك من يمثلون لوبيات فساد عششت لعقود من الزمان بسبب نهب المال العام واستغلال مواقعها في الإدارة العمومية للإثراء، فهم أيضا يتخوفون على المواقع التي كسبوها أن تتقلص، وخشوا من سريان خطاب التخليق أن يعصف بإمكانيات الاستمرار في نهب المال العام.   
 
وهناك أيضا بعض الأقلام الإعلامية المتياسرة المعزولة والتي تعرف اليوم في القاموس الإعلامي بالاستئصاليين لم تأل جهدا في الربط المتعسف بين الأحداث الإرهابية التي وقعت وحزب العدالة والتنمية، وطالب بعضهم بحله نهائيا. والهدف من تلك الحملة كان واضحا تماما، إنه محاولة تشويه صورة حزب العدالة والتنمية والتأثير في شعبيته. لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل. فتجذر حزب العدالة والتنمية في المجتمع والتحامه بقضايا وهموم الشعب أكبر من أن تؤثر فيه حملة مثل هذه. ونحن في حزب العدالة والتنمية، نعتبر أن الأخطر في العاصفة التي عاشتها بلادنا إثر أحداث 16 مايو/أيار الإجرامية الأليمة، قد مرّ منذ الأيام الأولى، لأن المهمّ هو أن نتأكد أنّ دولتنا اختارت المسار الصحيح بعد هذه الأحداث. والمسار الصحيح هو استمرار المسلسل الديمقراطي، واستمرار بناء دولة الحق والقانون، وتبني المعالجة الشمولية لمحاربة الإرهاب، وذلك على الرغم من تحفظنا على كثير من التطبيقات العملية لهذه المقاربة. كما أن ذكاء الشعب المغربي في التمييز بين الخطاب السياسوي الضيق والعمل السياسي البناء والجاد والذي زكته النتائج التي حصل عليها الحزب في الانتخابات الجماعية بعد ذلك، دليل على قدرة المغرب على تجاوز مثل هذه الأزمات بسلام.

 
هل لديكم ردود على هذه الحملات، وما منهج ردكم؟

- تعامل الحزب مع تلك الأزمة بصبر وحكمة وهدوء، في نفس الوقت الذي استنكرنا فيه الإرهاب بقوة ودعونا إلى معالجته معالجة شمولية. كما قمنا بعمل تواصلي مع النخب السياسية والمسؤولين لتحديد الأمور والمواقف ومعالجة الشبهات التي كانت تنشرها بعض الجهات الاستئصالية.  
 
 
في المجموعة الحضرية لمدينة مكناس فزتم في الانتخابات الأخيرة بمنصب العمدة، وكان مرشحكم محمد بلكورة من أغنياء الجبهة أقنعتموه بالانخراط داخل حزبكم، وصار اليوم عمدة مدينة مكناس. لكن الحزب أتعرض مؤخرا لغضب الملك كما جاء في تقارير وقصاصات إعلامية، حتى قالت إحدى الأسبوعيات المغربية "إن الملك يطلق النار على حزب العدالة والتنمية؟". هل نجحت التجربة مع محمد بلكورة أي هل أنتم مقتنعون به وهو مقتنع بكم؟ وهل أطلق الملك النار فعلا عليكم، ولماذا وكيف واجهتم إطلاق النار؟
 
- حزب العدالة والتنمية يسير اليوم أو يسهم في تسيير العشرات من البلديات. وهو يحاول فيها تدبير الشأن العام المحلي وفق البرنامج الذي وعد بتطبيقه من وقف نزيف التبذير والرشوة والاختلاسات، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، والدفع بالمشاريع التنموية المحلية. لكن خطوات الحزب الإصلاحية تواجه في كثير من الأحيان بمقاومة من لوبيات محلية مستفيدة من طرق تدبير غير شفافة وغير نزيهة وغير صالحة. وفي مكناس بالذات عمل الفريق المسير للبلدية وعلى رأسه الأستاذ محمد بلكورة على تحقيق هذه الأهداف. وتبين الوثائق أن هناك جهدا كبيرا لوقف نزيف التبذير والفساد المالي، كما تحسنت العديد من الخدمات، وأطلقت العديد من المشاريع. ومن تلك المشاريع الطموحة هو حل مشكلة النقل الحضري الذي ساء في ظل المجلس البلدي السابق. والمشروع اليوم في مراحله الأخيرة.

أما الحديث عن الملك وغضبه وإطلاقه النار على الحزب فهذا من التهويل الإعلامي الذي صاحب القضية. ونحن نعلم أن البعض يريد أن يثير جعجعة للتخويف من الحزب. والواقع أن الملك اهتم بأمر النقل الحضري بمدينة مكناس وطالب بحل مشكلته في القريب. وأظن أن لذلك تأثيرا إيجابيا على الإسراع في عدد من الإجراءات. ولم يحمل التدخل الملكي أي معنى سلبي بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، وإنما هو استغلال من جهات للتشكيك في نجاح الفريق المسير بمكناس في تدبير هذا الملف الشائك.  
 
 
يوجد في حزبكم تياران متصارعان، تيار يهادن وزارة الداخلية ويستجيب لبعض ضغوطها، بل يخضع لها، وفي مقابله تيار يرفض هذا الخضوع، وبالنظر إلى قوانينكم وبنيانكم، نجد أنكم أولا في المعارضة، وثانيا يريد منكم المجلس الوطني وهو أعلى هيئة لديكم، بصفتكم أمانة عامة للحزب أن تجسدوا هذه المعارضة، وأن لا تخضعوا ولا تلينوا، فلماذا لا تجسدون رغبات المجلس الوطني وتتجاوزن اختصاصاته؟

- الحديث عن تيارات داخل الحزب أمر مبالغ فيه، وإن كان وجود التيارات في حد ذاته أمرا غير مذموم، بل هو، إذا وجد ونظم، وجه من أوجه الديمقراطية وتعددية الرأي المحمودة. لكن هناك داخل الحزب حرية فكرية وحرية في الرأي والتعبير عنه لا تضايقنا. وقد قلت مرارا لإخواني أعضاء الحزب إن تعبير أحدهم عن رأيه المخالف لا يضايق الحزب أبدا، بل هو قوة دافعة لتلمس الخطأ وإصلاحه. وبقاء النقد الذاتي حيا داخل هيئة ما دليل حياة ووسيلة لتطوير البناء وتحسينه ورفع المستوى وتجاوز الاختلالات، وهذه كلها أمور لا تستمر الهيئات صحية إلا بها. هناك أعضاء من قيادة الحزب كتبوا نقدا في بعض الصحف لعدد من الأمور داخل الحزب، فبقيت مكانتهم محفوظة داخل القيادة، وتعاملنا مع ما كتبوا بصدر رحب.
 
وأضيف أن الهيئات التي تحاول فرض الرأي الواحد داخل صفها لا تحرم نفسها من إيجابيات حرية الرأي وتعدديته فقط، بل تحكم على نفسها بالموت البطيء وقلة الفاعلية والعجز عن التجدد الذي هو سنة الحياة. 
 
أما الحديث عن مقررات المجلس الوطني، فالمجلس نفسه موجود وينعقد في مواعيده المقررة قانونا، وله الحق في تقييم عمل قيادة الحزب وقراراتها والحكم عليها بالصواب أو الخطأ. والواقع أن المجلس الوطني لحد الساعة وافق الأمانة العامة للحزب في مجمل العمل الذي قامت به وفي توجهه العام، وإن طالبت بتعديل بعض الأمور في طريقة تدبيرها.   
 
 
يؤخذ عليكم أنكم تضخمون من القضايا الأخلاقية على حساب القضايا والمشاكل الأخرى، وتناقشونها كما لو كنتم حركة دعوية لا حزبا سياسيا، فهل أنتم حزب سياسي أم جماعة دينية؟

- الذين ينشرون هذا الكلام جهات لا تريد للحزب أن يستمر أصلا، ومنهم من طالب بحله بعد أحداث 16 مايو/أيار التي وقعت بالدار البيضاء. وهم لا يريدون للعمل السياسي أن يمارس في إطار من الأخلاق، بل يريدونه تكالبا على المناصب والامتيازات المادية والاغتناء الشخصي على حساب المال العام ومصالح المجتمع، بل منهم من يريد لنا أن ننسلخ عن أخلاقنا بالمرة ويروج لأشكال من الدعارة والشذوذ والمعاصي بحسبان ذلك طريقا للرفاه المادي.

ومنهج حزب العدالة والتنمية بعكس ذلك تماما. فهو يرى أن التنمية أساسا هي تنمية الإنسان بمختلف أبعاده المادية والنفسية والاجتماعية والروحية. وهو في هذا ينطلق من المرجعية الإسلامية، وهو يعتز بذلك.
 
لكن في المقابل غير صحيح أن برنامج الحزب ومواقفه السياسية ومبادراته تطغى عليها القضايا الأخلاقية. فالبرنامج الذي قدمناه للجمهور والصحافة منذ سنتين يرتكز على خمسة أعمدة متوازنة هي: أصالةـ سيادة ـ ديمقراطية ـ عدالة ـ تنمية. وتحت كل محور عدد من الأهداف، وتحت كل هدف عدد من الإجراءات. وهذا وحده كاف لدرء تلك الشبهة. لكن مراجعة مبادرات الحزب السياسية والدبلوماسية، يشهد بتنوعها. فهي تركز على مقاومة الفساد الإداري والأخلاقي، وعلى العدالة الاجتماعية، وعلى إصلاح القضاء وتطوير وضعية حقوق الإنسان، وعلى مختلف المجالات التنموية. وهذه الأمور مضمنة في تقارير الحزب السياسية وبياناته وتدخلات فريقه النيابي وغيرها من الوثائق المنشورة.
 
 
علاقة بالسؤال السابق، طرح في النقاش الدائر حول مشروع قانون الأحزاب الموجود في البرلمان حاليا، العلاقة بين الحزب والدين، ونادى البعض بضرورة التنصيص على ألا يقوم أي حزب مغربي على أساس ديني، وألا يخلط بين الدين والسياسة، ما موقف حزبكم من النقاش الدائر، وهل تقبلون بقيام حزب مغربي على أساس ديني؟
 
- حزب العدالة والتنمية ليس حزبا دينيا، أو حزبا مبنيا على أساس ديني، بل هو حزب سياسي وطني مؤسس على أساس المواطنة والانتماء الوطني، ويعمل بآليات وأدوات العمل السياسي. لكنه يعتز بكونه ينطلق في برامجه من المرجعية الإسلامية للدولة المغربية. وليس في هذا أي غضاضة، لذلك فإن القانون لن يؤثر علينا. لكننا تحفظنا على العبارة الواردة فيه حول الموضوع لكونها فضفاضة موهمة. فالمادة المعنية تقول إنه يعتبر باطلا "كل تأسيس حزب يقوم على أساس ديني ...". فقد يكون المقصود منع تأسيس حزب على أساس التمييز الديني، وهذا معقول حتى لا يكون عندنا حزب للمسلمين وآخر لليهود. وإذا وجدت طوائف دينية يتأسس حزب للسنة وآخر للشيعة. فهذا مما لا نريده ومن المعقول منعه قانونا. لكن قد تؤول المادة أيضا لتعني الاستناد إلى المرجعية الإسلامية، وهذا المنع أمر غير دستوري. فالدستور ينص على أن المغرب دولة إسلامية، وبالتالي فجميع مؤسسات الدولة والموجودة في ترابها يجب أن تستند إلى ما تستند إليه الدولة. ورغم الطمأنات الصادرة عن المسؤولين فقد قررنا التصويت بالامتناع على هذه المادة، لأن من شأن القانون أن يكون واضحا لا محتويا على عبارات تختلف حولها التأويلات.
 
 
تصفون أنفسكم دائما بأنكم حزب إسلامي ديمقراطي، غير أن هذه التسمية تطرح أكثر من التباس، فهي تحيل على تجربة أحزاب غربية تحكمها اللائكية كالحزب المسيحي الديمقراطي في حين أن المغرب بلد إسلامي بنص الدستور، وهكذا تظهرون وكأنكم تسلمون للعلمانية في بلد أمير المؤمنين.
 
- الألفاظ مثل حزب إسلامي، ديمقراطي، والعلمانية، هي ألفاظ مجملة تحمل أكثر من دلالة، وقد تختلف تلك الدلالة من توجه إلى آخر، ومن مدرسة ثقافية أو سياسية لأخرى، وأحيانا من شخص لآخر. لذلك فمن الواجب التبين في المدلول الذي يعنيه بها كل متحدث. 
 
وأشير هنا إلى أن حزب العدالة والتنمية بوصفه حزبا سياسيا، يشتغل بآليات العمل السياسي، وليس بآليات العمل الدعوي المباشر، مثل الوعظ والإرشاد في المساجد والخطابة مما تمارسه المؤسسات والهيئات المؤهلة لذلك. ولا حرج على الحزب في ذلك ولا لوم عليه إطلاقا. فنحن في زمن التخصص، وأن يعمل كل واحد ما يتقنه أكثر وما هو داخل في حدود اختصاصه هو مظنة الإنجاز والإتقان. إضافة إلى أن إبعاد المساجد والهيئات الدينية الرسمية عن العمل الحزبي والتنافس الحزبي شيء ضروري حتى تضطلع بتوجيه المجتمع كله دون حساسيات أو عوائق. 
 
 
ألا ترون أن تجربة الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي فيها عبرة لمن يؤجل الحديث عن المسألة الدستورية، وأنتم بنفسكم السيد الأمين العام، تنادون بإصلاح سياسي قبل أي إصلاح دستوري، ألا ترون أن الإصلاح السياسي لن ينجح إلا بإصلاح دستوري؟ وإذا ما فزتم في الانتخابات القادمة وكلفكم الملك مثلا بتشكيل حكومة، هل أنتم مستعدون لممارسة الحكم رغم النقائص الدستورية؟
 
- نحن واعون بضرورة الإصلاح الدستوري، وقد سجلنا ذلك في مختلف وثائقنا وبرامجنا. لكننا نضع لذلك شرطين هما: أولا أن يتم في جو من التوافق والتراضي لا في جو من المنازعة، ثانيا أن يتم بتواز مع إصلاح سياسي شامل يضم إصلاح المشهد الحزبي وإصلاح المنظومة الانتخابية. وأيا كان، فإن السياسة هي فن الممكن، والقرار السياسي يتخذ في سياق ظروفه على حسب التقديرات الآنية. ولكل مقام مقال. 
 
 
تقولون دائما إنكم زاهدون في الحكومة، هل هذا نابع من خوفكم على تجربتكم ومن الحملات المتتابعة عليكم، ولماذا تمارسون العمل السياسي أصلا إذا لم تتوجوه بتطبيق لمبادئكم وبرامجكم وشعاراتكم؟
 
- الزهد في الحكومة إنما نعني به أننا غير مستعدين لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام بأي شروط وفي أي ظروف. فنحن نريد أن تكون مشاركتنا إيجابية للبلاد والعباد، وفق تحالفات ذات منطق سياسي معتبر، وتشكيلة حكومية لا تشوبها الاختلالات التي تشوب الحكومات السابقة. أما مبدأ المشاركة، فنحن إنما خضنا غمار العمل السياسي لنتحمل المسؤولية إذا أتت بالطرق الديمقراطية. 
 
 
أنتم شخصيا، انحدرتم من عائلة عالمة في المنطقة المغربية الجنوبية، فأنتم ابن عالم ابن عالم أبا عن جد. لماذا ضيعتم هذه السلسلة الذهبية وانخرطتم في العمل السياسي بمفاسده ومخاطره، وهل انقطعت صلتكم بالعلم والشريعة؟ وإن لم تنقطع، فهل تستفيدون من علمكم لسياستكم؟
 
- ومتى كان العلم منقطعا عن السياسة، بل العكس هو الصحيح. ممارسة السياسة بخلفية علمية أمر ذو أهمية، يرشدها ويرفع اهتماماتها، ويدرجها في إطار المقاصد الشرعية. لذلك فإني فعلا أعمل جاهدا لأستفيد من زادي من العلم -على الرغم من كونه قليلا- لترشيد عملي السياسي. وأيضا فإن السياسة لم تصرفني عن العلم، ولن تصرفني عنه إن شاء الله. ومشاركاتي في الندوات العلمية والفكرية بمختلف أنواعها مستمرة.  
_____________
الجزيرة نت
المصدر : الجزيرة