الراكوبة بيوت من كرتون وخيش تحتضن نازحي حرب الجنوب على أطراف الخرطوم (الجزيرة نت)
 
 
تغرب الشمس كل يوم عن السودان ولكن حين توقد المصابيح الكهربائية في الخرطوم لا يجد سكان حي "جبرونا" في أطراف أم درمان النائية إلا أنوار الشموع تضيء ليلهم بعد أن غابت الكهرباء التي حرم منها آلاف النازحين من حرب الجنوب.
 
من الصعب على المرء أن يسمي جبرونا مخيم لاجئين لأن سكانها يتدبرون أمورهم ولا تقف على حاجاتهم هيئات إغاثة وطنية أو دولية, والحي يتكون أساسا من نازحي حرب الجنوب الذين أجلتهم السلطات من أطراف الخرطوم ليستقروا في هذا الحي المقسم إلى مربعات خططتها السلطات وترك أمر بناء بيوتها للسكان.
 
السلطات تكتفي بتقسيم الأراضي إلى مربعات ويتكفل السكان ببناء بيوتهم بوسائلهم الخاصة (الجزيرة نت)
لا ماء ولا كهرباء
حي جبرونا جزء من عدة أحياء خارج الخرطوم استقر بها عشرات آلاف الهاربين من لهيب حرب الجنوب سابقا, ترك الأمر لأصحابها لتدبر شؤون معيشتهم, وكل ما فعلته السلطات هو السماح لهم بالحصول على قطع أرض يقترع السكان لتقرير من يفوز بها أولا.
 
وسيلة الانتقال داخل جبرونا هي "الكارو" وهي عربة يجرها الحمار تستعمل في الوقت ذاته لجلب الماء من بئر على بعد ثلاثة كيلومترات لتباع اللترات العشرة بثلاثين دينارا سودانيا في تجارة يتقوت منها أصحابها وينوء بها كاهل المشترين, أما بيوت ساكني جبرونا فأعمدة من خشب سقفها من الخيش والكرتون يطلق عليه اسم "الراكوبة" يقي أشعة الشمس ولا يقي شر البرد والمطر.
 
عند وصولنا جبرونا وجدنا "مونيكا" منهمكة في غسل عدد من الملابس وهو عمل يقودها إلى ومن الخرطوم كل يوم، قالت لنا إنها كانت محظوظة في الفوز بقطعة أرض شرعت في بناءها مستعملة الطوب الأخضر الذي يطلق عليها محليا اسم "البلوك".
 
االكارو وسيلة للتنقل وجلب الماء في جبرونا (الجزيرة نت)
ورغم أن جزء كبيرا من سكان جبرونا من الجنوب فإن الحي يضم أيضا سكانا من دارفور وشرق السودان استقر بهم الأمر في جبرونا بعد أن استحال البقاء في الخرطوم لغلاء إيجار البيوت أو لاستحالة دفع مستحقات التعليم ما جعل البعض يضطر إلى إرسال أبناءه إلى المدارس المطرانية التي تشرف عليها الكنيسة الكاثوليكية لتوفيرها التعليم مجانا وطبقا للمقرر الحكومي.
 
حقل خصب للتبشير
أميمة واحدة من بضعة بنات اضطر آباؤهن إلى إرسالهن إلى مدرسة جبرونا المطرانية التي تفتقر إلى كل شيء بدءا من السبورة والنوافذ وصولا إلى السقف الذي لا يغطيه إلا القصب مما يضطر التلاميذ إلى قطع الدروس حين ينهمر المطر, ورغم كونها مسلمة تتلقى أميمة دروس التربية المسيحية وإن أكدت لنا أنها لا ترغم على ذلك.
 
البعض يتوجس خيفة من هذه المدارس بل ويتهم الهيئات المسيحية الواقفة عليها بأنها مستفيدة من وجود أحياء كجبرونا لأنها حسب قولهم حقل خصب لممارسة التنصير في وقت يحمل فيه البعض الآخر الحكومة كامل المسؤولية لأنها تخلت في رأيهم عن دورها إزاء شريحة من مواطنيها فلم يجدوا بدا من الارتماء في أحضان أول من يمد يد العون.
 
تلميذات المدرسة قلن إنهن لا يفهمن عدم قيام السلطات بتقديم أية مساعدة للمدرسة, ورغم إقرارهن أن مدارس الحكومة القريبة ليست على ما يرام فإنهن يرينها أفضل حالا إذ تشتمل على الأقل على أبواب ونوافذ وسقف.
 
مدارس المطرانية تقدم التعليم المجاني لكن البعض يتهمها بالتنصير (الجزيرة نت)
أما أفراح التي نزح والداها من جبال النوبة في منتصف التسعينات فتقول إنها لا تفهم كيف تصلح السلطات المدارس القريبة في العاصمة وتغض الطرف عن المدارس في الأطراف، وهي تأمل أن يسمح لها اتفاق السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ليس بأن تسكن الخرطوم لكن بالعودة إلى مسقط رأسها بجبال النوبة.
 
عندما كنا نهم بالتقاط آخر الصور في طريق انصرافنا دنت منا امرأة وأخذت تسألنا عن قطعة أرضها بعد أن اعتقدت أننا من المسؤولين عن توزيعها فيما رأى فينا أحدهم "خواجات" ودعانا إلى كأس من الشاي, فالخواجة هنا هو كل من لا يمثل الحكومة سواء كان سائحا أو مبعوثا من هيئات كنسية أو إغاثية وهو الوحيد الذي يفكر في المجيء لهذا الحي الذي أراد السكان لاسمه أن يذكر


زائره بأنهم لم يختاروا القدوم إليه فسموه "جبرونا".
________________
موفد الجزيرة نت

المصدر : غير معروف