فالح الخطاب

كان رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية الجنرال ريتشارد مايرز أول وأبرز مسؤول حكومي أميركي يشير صراحة إلى احتمال وقوع حرب أهلية في العراق كنتيجة لإجراء الانتخابات هناك.

هذه الشهادة من أرفع مسؤول عسكري أميركي فتحت الباب مشرعا للعديد من التسريبات و"التوقعات" من محللين, معظمهم أميركيون, بشأن احتمال وقوع تلك الحرب بين ما اصطلح على تسميته "مكونات الشعب العراقي"، التي صارت تتردد كثيرا وكثيرا جدا منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وحتى الآن.

العارفون بالشأن العراقي وأولئك المتخصصون بالشؤون الأميركية, يكادون يجمعون على أن إصرار أطراف أميركية, وأخرى قريبة منها أو إقليمية قريبة من العراق, على التخوف من قيام حرب أهلية عراقية, قد يعود إلى أمرين.

الأول يتلخص ببساطة بجهل الولايات المتحدة بالعراق وطبيعته الاجتماعية وحتى السياسية, وهو جهل يتحول إلى خطأ وربما خطر, يضاف إلى قائمة طويلة من الأخطاء التي قادت وتقود إلى مخاطر تعرض ويتعرض لها العراق.

أما الأمر الثاني -كما يرى مراقبون- فهو إمكانية أن تكون التسريبات الأميركية مقدمة تمهد الأذهان لهذا الحدث, أو رسالة تبعث الخوف في نفوس العراقيين وتدفعهم لقبول ما تفرضه الولايات المتحدة عليهم من سياسات.

وأيا كان الأمر فإن الحديث عن الحرب الأهلية لم يجد أساسا له في العراق -حتى الآن- وينظر إليه بمزيد من الشك باعتباره "مشروعا إسرائيليا" في الأساس, كما ينقل السياسي العراقي قيس جواد العزاوي عن محلل إستراتيجي فرنسي.

ويرى العزاوي أن التماسك الاجتماعي والمذهبي في العراق قوي وقديم ولكنه أعرب عن خشيته من زرع بذور الفتنة التي يهيئ لها البعض. وحذر خصوصا من "المحاصصة الطائفية" التي يرى أنها تفتت النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية التي وصفها بالهوية الكبرى.

مجتمع متسامح في العراق (الفرنسية-أرشيف)
ويستبعد المحلل السياسي الدكتور نبيل محمد سليم وقوع حرب أهلية في العراق بسبب عدم وجود انقسامات طائفية فيه إضافة لكون المجتمع العراقي واحدا من أكثر مجتمعات الأرض تسامحا على مر التاريخ. غير أنه يحذر بالمقابل من الطائفية السياسية التي تحاول, عبر تيارات محددة, زج التعددية العراقية في صراعاتها السياسية من أجل الفوز بالسلطة.

أما القيادي في حزب الدعوة -ثاني أكبر الأحزاب الشيعية بالعراق- جواد المالكي, فهو يستبعد إمكانية وقوع حرب أهلية ويقول إن صمامات الأمان موجودة وأبرزها العلاقات القديمة بين "عقلاء السنة والشيعة" وسرعة تحركهم لوأد أي فتنة في مهدها.

اجتياز الخطر
وبدوره يرى المسؤول الإعلامي في هيئة علماء المسلمين الدكتور مثنى حارث الضاري أن الأوان فات على مثل هذه الأطروحات التي كان من الممكن استغلالها بعد الاحتلال مباشرة, نتيجة غياب الدولة وحل الجيش وأجهزة الشرطة وكل مؤسسات الدولة الأخرى. ويؤكد أن غياب المناخ الطائفي عن التقاليد العراقية حال وسيحول دون قيام أي صراعات من هذا النوع.

غير أن الشيخ عبد الهادي الدراجي -ممثل الزعيم الشيعي مقتدى الصدر- نقل عن قائد التيار الصدري تحذيره من وجود بوادر حرب أهلية, ولكنه قال إنها تبقى مرهونة برد فعل العراقيين على جهود تبذل للإيقاع بينهم. ونقل عن السيد مقتدى الصدر دعوته أتباعه للصلاة خلف السنة في صلاة عيد الأضحى الأخير.

ويستبعد عضو مجلس الحكم العراقي السابق والسياسي الكردي المخضرم الدكتور محمود عثمان, قيام صراع أهلي داخلي في العراق، وقال إن المجتمع العراقي مجتمع موحد رغم سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة.

وأشار إلى أنه رغم الحروب التي مر بها العراق فإن مجتمعه لم يتفرق. وشدد على أهمية التاريخ العراقي الذي بقي نظيفا من أي سجل للاحتراب الداخلي. وتساءل عثمان عن سر إصرار الإدارة الأميركية على إجراء الانتخابات في حال أنها تهدد بقيام حرب أهلية, كما يروج أركان في الإدارة.

أياد خفية تقف خلف الهجمات على المساجد (الفرنسية-أرشيف)
وحتى تلك الحوادث التي وقعت في مناطق متفرقة من العراق, وارتدت ثوبا طائفيا, تمثل في مهاجمة مساجد للسنة أو الشيعة أو عمليات اغتيال مقصودة, فإن أغلب قطاعات الرأي العام العراقي وقياداته ترى فيها حوادث معزولة أو مخططات يقصد منها تفجير الموقف "بعد فشل الاحتلال الأميركي في بلوغ غاياته في العراق" كما يرى سماحة المرجع الشيعي آية الله العظمى السيد أحمد الحسني البغدادي.

ويؤكد السيد البغدادي أن "أياد أميركية وإسرائيلية خفية تقف خلف الحوادث المصبوغة بالصبغة الطائفية". وأشار خصوصا إلى محاولة إشعال فتنة طائفية في منطقة اللطيفية جنوب بغداد, التي شهدت قتل بعض الأشخاص بناء على الهوية, وحمل السفير الأميركي في العراق جون نيغروبونتي والمخابرات الأميركية مسؤوليتها.

وفضلا عن اللحمة العراقية التاريخية التي تتعرض لامتحان خطير, فإن إشعال حرب أهلية سوف لن تكون مسألة مـأمونة العواقب على الآخرين, خصوصا جيران العراق ودول المنطقة وحتى الأميركيين الذين يحتفظون بخريطة جيوإستراتيجية شديدة الحساسية والتعقيد أيضا.

ويرى الأكاديمي والكاتب السياسي الدكتور جابر حبيب جابر أن أي حرب أهلية في العراق سوف لن تقف داخل حدوده فقط, بل ستتعداها ليصل حريقها إلى معظم دول المنطقة وخصوصا جيران العراق, الذين أكد على ضرورة حرصهم على عدم التورط بهذا المخطط.
_____________
الجزيرة نت    

المصدر : غير معروف