الدمار الشامل أصاب كل شيء (رويترز)
 
 
هل أستطيع أن أطلق على رحلتنا إلى سريلانكا وإندونيسيا بأنها رحلة البحث عن الدمار؟ ولم لا؟ فقد كانت كذلك. فبعد هبوطنا في مطار العاصمة السريلانكية كولومبو كنا نسأل عن المناطق التي دمرتها موجة المد الزلزالي كما يبحث السائح عن أفضل الأماكن للمتعة والاستجمام.
 
يتسابق الناس لاقتراح مناطق مختلفة "اذهب إلى الجنوب سترى دمارا شاملا هناك"، وقد يضيف آخر "لا.. دعهم يذهبون إلى الشرق، فالدمار هناك أشد".
 
حين تنتهي الكارثة يشرع الناس عادة في تقليب عقولهم للبحث عن أفضل وسيلة للاستفادة منها، فقد أصرت مندوبة برنامج الغذاء العالمي على مرافقتنا خلال رحلتنا إلى المناطق المتضررة التي استمرت حوالي خمس ساعات لمشاهدة منظمتها وهي توزع الطعام على المتضررين، فهي بطبيعة الحال تبحث عن وسيلة إعلامية تظهر حجم الكارثة تتبعها بصورة القرويين وهم يحملون أكياسا بلاستيكية ويمرون قرب لافتة تحمل اسم المنظمة وشعارها حتى يتواصل تدفق الأموال من المتعاطفين من مختلف دول العالم.
 
كم عدد ضحايا الكارثة في سريلانكا؟ وجهت سؤالي لمندوبة برنامج الغذاء العالمي، وجاء جوابها باهتا بعض الشيء: "حوالي أربعين ألفا". حينها التفت سائق الحافلة إلي، وبنظرة بها بعض الخبث قال: "إنهم ستون الفا!!".
 
من نصدق؟.. لا يهم، فعشرون ألفا في حساب حكومات العالم الثالث لا تعني شيئا، إنهم فقط أرقام في سجلات يعلوها الغبار مكومة في أحد المكاتب، ولكن دعونا نتحدث عن معاناة الأحياء.
 
كنت قد كتبت مشاهداتي في سريلانكا مخططا أن أكتب عن مشاهداتي في إندونيسيا في مقال آخر، ولكنني وبعد أن شاهدت الكارثة قررت أن أكتب عن الدمار، فهو على أي حال دمار هنا أو هناك، والدمار لا يمكن تقسيمه جغرافيا إن تشابه.
 
منذ حوالي خمس سنوات زرت متحفا في مدينة هيروشيما اليابانية، والمتحف كان سجلا حيا وأرشيفا تاريخيا للمدينة التي ألقيت عليها القنبلة الذرية. تأثرت بما شاهدت، ولم أكن أحلم في يوم من الأيام بأني سأمشي في مسرح للأحداث مشابه، فقد كانت أجزاء من مدينة بنده آتشه الإندونيسية مدمرة بالكامل، فهي صورة طبق الأصل عن أختها في اليابان.
 
لست أحاول أن أبالغ، ولكن ماذا أفعل إن كان الدمار شاملا؟ إنه لا يوصف، سفن فوق أسطح المنازل، وسيارات غدت كتلا صدئة من الحديد المعجون، ألعاب أطفال مبعثرة، وسادة صغيرة اخترقتها خشبة حادة، أعمدة من الإسمنت المسلح التوت حول بعضها وكأنها صنعت من عجين، ألبومات صور عائلية، أوراق شخصية، شهادات رسمية مقطعة، أدوات زينة نسائية، أحذية.. لم يعد للبيوت أسرار، لقد كشفت الموجة كل شيء، لقد قامت قيامة المدينة وأنهت حياتها وحياة أهلها.
 
دمرت موجة المد الزلزالي في محيط مدينة بندة آتشه 57 جسرا وقتلت واحدا من كل ثلاثة أشخاص، ولم يبق في أجزاء كثيرة منها سوى أجساد هزيلة تبحث عن الطعام أو تأوي إلى غطاء بلاستيكي، ومن أصبح ثريا يومه ذاك أمسى معدما لا يملك من حطام الدنيا شيئا، لقد تغير تاريخ المدينة فلم تعد الأشياء كما كانت.
 
في صباح اليوم الأول من وجودنا، وعلى الطريق من المطار إلى وسط المدينة لفتت نظري مقبرة كبيرة أنشئت على عجل فمازالت هناك آلية كبيرة تحفر، فطلبت من السائق التوقف، حينها ضربتنا رائحة الموت، إنها رائحة قاسية قوية تشعرك بالألم من منتصف البطن إلى أعلى الرأس.
 
كانت الآلية تعمل بجد، فالجثث كثيرة ولا بد من دفنها بسرعة، أخذت نفسا عميقا واستجمعت شجاعتي وركضت محاولا التقاط صورة أخيرة لأجساد لفت على عجل بأغطية بلاستيكية وكومت بشكل عشوائي، أجساد مختلفة الأحجام، بالإمكان تمييز الأطفال والرضع، ولكنها غدت في هذه الحفرة جسدا واحدا لا يمكن فصله.
 
مازالت فرق الإنقاذ تنتشل جثث الضحايا رغم مرور ثلاثة أسابيع على وقوع الكارثة، ومازالت تلك الرائحة تلاحقني في كل موقع أزوره، إنها رائحة الموت التي خيمت على مدينة بندة آتشه، وستبقى هناك ضيفا ثقيلا ولفترة طويلة قادمة.
 
ارتفعت موجة المد الزلزالي في بعض سواحل إندونيسيا إلى حوالي أربعين مترا، وكانت تسير بسرعة طائرة نفاثة فأخذت في طريقها كل شيء وتوغلت ستة كيلومترات أحيانا.

ترك الناس سواحل البحر وهربوا إلى الجبال، وما زالوا لا يستطيعون التحديق في البحر الذي خانهم وبطش بهم، وبدأت تظهر قرى صغيرة في المرتفعات القريبة، ومن كان يملك فضل مال فتح دكانا صغيرا. لقد بدأت بوادر حياة جديدة تتكون على تلك المرتفعات، ومع مرور الوقت ستكبر وستتغير التركيبة السكانية والاجتماعية، فما كان قبل الموجة انتهى وبدأت حياة أخرى أكثر كآبة يلفها البؤس، ولكنها حياة على أية حال.
ـــــــــــــــــ
رئيس تحرير الجزيرة نت

المصدر : غير معروف