لا شيء يوحي بانسحاب قريب للقوات الأميركية من العراق (الفرنسية-أرشيف)


فالح الخطاب

في وقت يراهن فيه أغلب المرشحين في الانتخابات العراقية على مسألة انسحاب القوات الأجنبية من العراق, أكدت الإدارة الأميركية مجددا نيتها إبقاء قواتها هناك.

ورغم الجدل الواسع في العراق حول المدة الزمنية التي ستبقى فيها القوات الأميركية والبريطانية وبقية القوات الأجنبية هناك, يعيد الرئيس الأميركي جورج بوش ووزير دفاعه دونالد رمسفيلد التأكيد على أن تلك القوات ستبقى هناك ما دامت "الضرورة" تدعو لذلك.

مسألة بقاء القوات الأجنبية في العراق مسألة حساسة في الوعي العراقي, لا بل تمثل أساس الموقف السياسي هناك. ويتجلى هذا الأمر بتبني معظم المرشحين في الانتخابات الحالية لمطلب انسحاب القوات الأجنبية أو التعهد بمطالبتها بذلك مع بروز مجلس وطني منتخب أو حكومة منتخبة.

كما أن القوى السياسية التي قاطعت الانتخابات في توقيتها الحالي, وأبرزها هيئة علماء المسلمين, فعلت ذلك بسبب غياب أفق محدد لانسحاب القوات الأجنبية من العراق أو بسبب عدم وجود جدول زمني للانسحاب.

ويرى المسؤول الإعلامي في الهيئة الدكتور مثنى حارث الضاري أن عدم التيقن من انبثاق حكومة قوية من رحم الانتخابات التي ستجري في ظل الاحتلال, قادرة على مطالبة القوات الأجنبية بالانسحاب من العراق أو وضع جدول زمني لفعل ذلك, كان أحد أسباب العزوف عن الخوض في عملية غير مجدية.

الدراجي شدد على ضرورة تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية (الفرنسية-أرشيف)

وهو ذات الموقف الذي شدد عليه الشيخ عبد الهادي الدراجي ممثل الزعيم الشيعي مقتدى الصدر, بأن انسحاب قوات الاحتلال ووضع جدول زمني لهذا الانسحاب هو الأساس المطلوب في أي عملية سياسية. كما أكد على نفس الموقف الناطق باسم حزب الدعوة جواد المالكي الذي رأى أن من مهمات المجلس الوطني والحكومة المنبثقان عن الانتخابات, الطلب بانسحاب القوات الأجنبية.

ولم يشذ عن هذه الدعوات إلا رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي الذي قال إنه من المستحيل الطلب من القوات الأجنبية الانسحاب من العراق في هذه المرحلة, بسبب المخاطر التي قد يتعرض لها العراق من قبل جيرانه.

غير أن تصريحات وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد أمس الأربعاء جاءت مخيبة لآمال الذين يراهنون على إمكانية انسحاب أميركي سريع من العراق أو وضع جدول زمني لذلك, أو التعويل على الانتخابات كمدخل للشروع بهذه العملية كما روجت لهذا الأمر أطراف أميركية أو متعاطفة مع مشروعها في العراق.

رمسفيلد وبعد جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي برفقة قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال جون أبي زيد, توقع استمرار أعمال العنف حتى أبريل/ نيسان القادم, ووصف هذه الفترة بأنها "غامضة".

الوزير الأميركي بتصريحاته هذه أكد للعراقيين أن قواته لن تنسحب من بلدهم لأن "النظام الديمقراطي الجديد هو نظام غير ناضج في هذه المرحلة بل في أولى مراحله". وأضاف أنه من الواقعية الاعتراف بأن الأمر سيستغرق بعض الوقت من أجل أن تنجز الحكومة الجديدة مهماتها المطلوبة.

أما جون أبي زيد فقد أكد أن العسكريين ينتظرون تكثيف الجهود الرامية إلى تأهيل قوات الأمن العراقية "التي لا تزال تحتاج إلى الكثير كي تصبح مؤهلة" للقيام بالمهمات الأمنية. وأقر القائد الأميركي باستمرار احتلال العراق قائلا "في وقت نجتاز فيه مرحلة الاحتلال هذه إلى مرحلة شراكة, يجب القيام بجهد مكثف جدا من قبلنا كي تصبح هذه القوات في حالة جهوزية".

الوعود الانتخابية قاصرة عن إخراج القوات الأجنبية (الفرنسية
هذه التصريحات دعت رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ السناتور جون وارنر إلى التشاؤم قائلا إن أقوال رمسفيلد وأبي زيد تنذر "بتصاعد أعمال العنف والتمرد خلال هذه الفترة وأكثر من ذلك قيام صعوبات قوية أمام مواصلة العمل الجيد الذي يبذل من أجل تأهيل قوات الأمن العراقية.

كما قطع الرئيس الأميركي جورج بوش الشك باليقين أمس بالقول إن الولايات المتحدة ستبقى في العراق حتى القيام "بما ينبغي من أجل إنجاز المهمة". وأوضح أن "مهمتنا لا تقوم فقط على زيادة عدد العراقيين بالبدلات العسكرية سواء كانوا في الجيش أو الحرس الوطني أو في الشرطة, بل على التحقق من تعزيز قدرتهم على القتال".

وزاد الأمر وضوحا طلب قائد عسكري أميركي كبير زيادة المخصصات العسكرية للقوات الأميركية بالعراق وبحد لا يقل عن نهاية العام 2006 على أقل تقدير.

ورغم تكرار هذه التصريحات في العديد من المناسبات, إلا أن توقيتها الآن يأتي على الضد من تطلعات العراقيين الذين يبحثون عن أي مؤشر على نهاية الوضع الذي تمر به بلادهم. كما أن هذه التصريحات, التي تأتي في ذروة العملية الانتخابية التي فهم العراقيون أنها مقدمة لإنهاء الاحتلال, لا تخدم الأغراض الانتخابية التي يبشر بها المرشحون.

فهل تريد الولايات المتحدة تأكيد ثوابتها في العراق وإعادة تأكيد هذه الثوابت الآن -والآن تحديدا- من أجل بعث رسالة لكل العراقيين, سواء الذين يشاركون بالانتخابات أو يقاطعونها, من أن وجود القوات الأميركية خط أحمر لا يجوز المساس به, أو أن واشنطن تريد من خلال هذه التصريحات توجيه رسالة إلى الحكومة القادمة من أجل تبني ما هو مطلوب منها في موضوع وجود القوات الأجنبية, خصوصا الأميركية.

هذه التأكيدات جعلت الإدارة الأميركية تساهم من موقعها في الانتخابات العراقية, كما ساهمت بقوة في العمل على إجرائها بموعد محدد دون الالتفات إلى رغبات الآخرين.
________________
الجزيرة نت

المصدر : غير معروف