هل يحقق مؤتمر شرم الشيخ مخرجا لمأزق يتسع؟ (الفرنسية)

فالح الخطاب

بدأت في شرم الشيخ بمصر اليوم الاثنين أعمال المؤتمر الدولي الخاص بالعراق بحضور ثماني دول ووزراء خارجية 22 دولة إلى جانب منظمات دولية وإقليمية للبحث عن مخرج لأزمات العراق الكثيرة.

وافتتح وزراء خارجية الدول المجاورة للعراق, بحضور وزير خارجية مصر, المؤتمر باجتماع خصص لمناقشة إسهامات جيران العراق في دعم الأمن عن طريق منع تسلل الأجانب إليه أو ما تصفهم الحكومة العراقية المؤقتة بالإرهابيين.

وزراء خارجية الجوار العراقي اجتمعوا ست مرات من قبل لبحث هذه النقطة المتعلقة بالأمن في تكرار يفيد بتدهور الحالة الأمنية أو استمرارها على الأقل. وبحلول يوم غد الثلاثاء يتوسع عمل المؤتمر بانضمام الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ومجموعة الثماني الصناعية الكبرى إضافة إلى الأمم المتحدة.

ويأتي مؤتمر شرم الشيخ الحالي ليمثل أول مرحلة من مسيرة تدويل المسألة العراقية, التي رفضتها الولايات المتحدة من قبل وسببت برفضها الكثير من المشاحنات مع الدول الأوروبية خصوصا فرنسا وألمانيا.

ويهدف المؤتمر بالأساس, كما أشارت إلى ذلك مسودة البيان الختامي, إلى ما وصف بدعم العملية السياسية في العراق والتي ستتجسد في الانتخابات المقرر إجراؤها في الثلاثين من يناير/ كانون الثاني القادم. ويقول دبلوماسيون في هذا الصدد إن الولايات المتحدة حصلت على طيف واسع من الدول التي تدعم توجهها "لنشر الديمقراطية" في العراق, رغم الشكوك بإمكانية عقد الانتخابات في موعدها المحدد.

وتطرق وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى "إيجابيات البيان" وأشار-من بين أمور أخرى- إلى حصول وفاق على نهاية الوجود الأجنبي هناك.

غير أن مندوب العراق في الأمم المتحدة سمير الصميدعي كان أسرع إلى توضيح المسألة المتعلقة بوجود القوات الأجنبية بالقول أثناء حضوره المؤتمر "نحن نقرر مدى الحاجة إلى بقاء القوات أو مغادرتها, وهذا مرتبط بمستوى العنف في العراق ومدى اكتمال -جاهزية- قوى الأمن العراقية".

وهو تصريح يشي بالكثير وربما بدا الأقرب للحقيقة من أي صياغة دبلوماسية أو توفيقية تقول الكثير ولا تقول أي شيء في الآن نفسه.

انتصارات أميركية

تدمير الفلوجة (رويترز)
وما هو جدير بالاهتمام هو أن المؤتمر يأتي بعد سلسلة  "انتصارات" للإدارة الأميركية سواء كانت في واشنطن حيث فاز الرئيس الأميركي جورج بوش بولاية ثانية, أو في بغداد.

فالمؤتمر يعقد بعد الهجوم الشامل على الفلوجة ونتائجه المرعبة على الصعيد الإنساني من حيث كون الفلوجة مدينة وليست معسكرا أو مكانا معزولا يمكن اقتحامه بلا حساب للعواقب.

كسب آخر حققته الولايات المتحدة تمثل في خفض الديون العراقية البالغة 120 مليار دولار بنسبة 80% من نادي باريس.

وغير هذا وذاك سبق افتتاح المؤتمر, إعلان الحكومة العراقية المؤقتة يوم 30 يناير/ كانون الثاني المقبل موعدا للانتخابات, التي يكاد يجمع المراقبون أنها ستجرى -إن جرت- بغياب عرب العراق السنة, الذين أعلن 47 حزبا منهم مقاطعته لتلك الانتخابات. وهو الأمر الذي بات يشكل قلقا لبعض الأطراف الإقليمية -تركيا مثلا باعتباره بابا للإخلال بالتوازنات السياسية.

هذه "الانتصارات" تخفي وراءها إخفاقات كبيرة لم يعد ممكنا للولايات المتحدة إنكارها أو الجدل بشأنها. ففضلا عن الخسائر البشرية المتصاعدة في صفوف قواتها في العراق, تنفق الولايات المتحدة 5.8 مليارات دولار شهريا كتكاليف للحرب هناك بحسب العديد من التقارير.

كما أن الخرق الأمني بات يتسع بشكل يصعب رقعه أو إصلاحه, وما كان مأمولا إتمامه في الفلوجة وتحويله إلى رسالة تحذير لـ20 إلى 30 مدينة أخرى, لم يأت منسجما لا مع الخطط العسكرية ولا مع الأضرار السياسية والإنسانية التي ترتبت على الهجوم على تلك المدينة الصغيرة.

"
مؤتمر شرم الشيخ ليس إلا "سبيلا لتحقيق نوع جديد من التوافق الدولي حول العراق بعد فترة خلافات مريرة"
وإزاء استمرار تردي الأوضاع وتكرار الأخطاء, يشير المراقبون إلى أن مؤتمر شرم الشيخ ليس إلا "سبيلا لتحقيق نوع جديد من التوافق الدولي حول العراق". ففرنسا التي تزعمت في الماضي معارضة الغزو الأميركي للعراق, والتي أعلنت صراحة عن رغبتها بأن يضع المؤتمر جدولا زمنيا لخروج القوات الأجنبية من العراق, عادت وتراجعت عن تلك الرغبة تماما كما تراجعت بشأن "حضور قوى المقاومة العراقية أو من يمثلها".

وباريس الآن باتت تقبل بصيغة أكثر عمومية حول وضع القوات الأجنبية كالإعلان أنه لا بد لتلك القوات أن لا يكون وجودها في العراق بلا نهاية. وهي صيغة مطاطة لا تأتي بجديد, خصوصا أن الولايات المتحدة نفسها أعلنت أكثر من مرة عدم نيتها البقاء هناك.

ويتفق المراقبون على أن هناك قلقا غربيا متزايدا من تدهور الأوضاع في العراق لجهة فشل القوات الأميركية أو متعددة الجنسية على إحلال الأمن, أو غموض المصير الذي يمكن أن يؤول إليه الوضع هناك, وحتى القوى التي يمكن أن تحل محل القوات الأجنبية إذا قررت الابتعاد عن الساحة.

هذا الهاجس الأمني أتاح للدول الغربية طي بعض من خلافاتها المريرة مع واشنطن تحسبا مما يمكن أن يوصف بالهاجس الأمني الذي يتحسب لتداعيات محتملة وخطيرة قد تترتب على الفشل الأميركي في العراق.

الولايات المتحدة هي الأخرى لم تتردد في إشاعة جو من الخوف الذي غمر الجميع. فمن تدمير الفلوجة إلى التلويح بإمكانية اندلاع حرب أهلية, كما أعلن ذلك رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال ريتشارد مايرز قبل أيام, إلى بعث رسائل ضمنية تحذر من انهيار شامل يقود إلى طوفان يغرق الجميع في لجته.

جيران العراق

فاروق الشرع (الفرنسية)
وبعيدا عن المواقف الغربية, ينظر جيران العراق خصوصا المثلث السوري الإيراني التركي إلى الوضع بحساسية بالغة. فسوريا هي الأخرى بات يقلقها كلا من النجاح الأميركي أو الفشل وتداعياته على أكثر من صعيد خصوصا في جانبه الكردي. وتنظر تركيا إلى جنوبها وهي تعيش هاجس الشمال العراقي الكردي وإمكانية تطور الحالة الكردية العراقية إلى الانفصال أو ما أقرب إليه.

أما إيران وعلى لسان رئيسها محمد خاتمي فقد رحبت بحرارة باجتماع دول الجوار العراقي في شرم الشيخ. وأكد خاتمي أن بلاده على استعداد لتقديم المساعدة للولايات المتحدة للخروج من المستنقع الذي تعاني منه في هذا البلد, وإن شددت على مطالبتها بخروج القوات الأميركية من ذلك البلد.

وتأكيدا لهذا التوجه أعلن وزير الخارجية العراقي المؤقت هوشيار زيباري أن طهران حددت الثلاثين من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري موعدا لاجتماع وزراء داخلية دول الجوار.

ولم يستبعد وزير الخارجية العراقي أن تكون إيران حددت موعد هذا الاجتماع قبل مؤتمر شرم الشيخ الذي تشارك فيه الولايات المتحدة من أجل "أن تبدي حسن نيتها في وقت تشعر فيه طهران بقلق متزايد من النوايا الأميركية تجاهها".

كل هذه الأمنيات والرغبات سوف تصدق أو تكذب على الأرض العراقية وبفعل حركة القوى والأحداث هناك وهناك فقط.



________________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة