تامر أبوالعينين – سويسرا

إرث الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات ليس سياسيا فحسب، بل مالي أيضا. وإذا كانت خلافة عرفات قد تم حسمها بشكل حضاري -حتى الآن على الأقل-على عكس ما توقع بعض المراقبين، فقد لا يكون الحديث عن الملف المالي بنفس الهدوء.

وقد يفتح الحديث عن "أموال عرفات" خلافات ومعارك بين جهات مختلفة، حصرها المراقبون في ثلاث جهات هي: السلطة الوطنية والشعب الفلسطيني وأرملته، والمفتاح المحوري بين كل تلك الجهات هو مستشار عرفات الاقتصادي محمد رشيد.

لا يختلف المهتمون بتركة الرئيس الراحل على أن أغلب المساعدات الموجهة إلى الفلسطينيين كانت تصب بين يدي عرفات، عدا تلك التي كانت تذهب مباشرة إلى المشروعات التنموية، أو من خلال المنظمات الدولية المهتمة باللاجئين الفلسطينيين، وهو ما يدل على ثقة الدول المانحة بشخص عرفات وبأنه فوق الشبهات.

إلا أن الأصوات المنتقدة، ارتفعت ومنذ فترة، وتحديدا مع تركيز السلطة الوطنية الفلسطينية على الآثار الاقتصادية السلبية التي تسبب فيها الحصار الإسرائيلي الخانق للفلسطينيين منذ الانتفاضة الثانية، حيث باتت موارد السلطة الفلسطينية لا تكفي لسداد الرواتب والمكافئات للعاملين فيها.

رقمان
ومن هنا بدأ الحديث عن الأموال الفلسطينية في الخارج، والتي يصر الكثيرون على نعتها بـ"أموال عرفات"، والتي يقدرها البعض ما بين 300 مليون و6.5 مليار دولار موزعة ما بين حسابات ومساهمات في مشاريع وحقائب استثمارية ومضاربات في سوق الأوراق المالية.

ويشير الفارق الكبير بين الرقمين إلى عدم وضوح إجمالي المبالغ، إلا أن الملاحظ في التقارير والترجيحات المتداولة مؤخرا تكرار رقم 300 مليون دولار كحد أدنى لرصيده في البنوك السويسرية، وهو ما أكدته صحيفة "كاش" الأسبوعية السويسرية المعنية بالشؤون الاقتصادية في عددها الصادر في 10 يونيو/ حزيران 2004.

واستندت الصحيفة إلى وثائق ومستندات, تؤكد وجود 300 مليون فرنك في بنك "لومبارد أودييه" الخاص قبل أن يتحول إلى اسمه الجديد الحالي LODH وهي أموال استثمرها البنك في مشاريع خاصة. وأضافت المجلة أن ما حصلت عليه السلطة الفلسطينية من أموال الضرائب أوعوائد جمركية, كان يتم استثمارها في مجموعات من الحقائب المستندية مثل "هيدج" أو "فينتور كابيتال"، إلى جانب المشاركة في رأس مال بعض الشركات.

وطبقا للصحيفة، فإن حصيلة ما دخل خزانة السلطة الوطنية الفلسطينية من أموال المنح والمساعدات منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 بلغ 5 مليارات فرنك، سدد الاتحاد الأوربي جزءا كبيرا منها تحت بند "المساعدات المالية المباشرة" كان آخر دفعة منها في أبريل/ نيسان 2004 وبلغت 50 مليون دولار، كان من المفترض أن تصب هذه الأموال لصالح رفع مستوى معيشة الشعب الفلسطيني، حسب وصف الصحيفة.

الشين بيت
وتتوقع الصحيفة أن تكون حصيلة استثمار الأموال الفلسطينية بهذا الشكل الخاص قد أسفرت عن أرباح لا تقل عن مليار دولار، وهو ما أكده تقرير آخر نشرته صحيفة "بازلر تسايتونغ" اليومية السويسرية في عددها الصادر بتاريخ 9 /11/2004، بل أضافت بأن أحد العاملين في جهاز الأمن الإسرائيلي الداخلي "شين بيت" يدعى يوسي غينوسار هو الذي كان يساعد في أغلب الأحيان في تحويل تلك الأموال، وطبقا لـ"بازلر تسايتونغ"، قام غينوسار بالتعاون مع محمد رشيد بتحويل 200 مليون دولار (وحسب رواية أخرى 340 مليون) إلى حساب في سويسرا، وأن جزءا من تلك الأموال كان يصب في حساب باسم محمد رشيد.

إلا أن "بازلر تسايتوغ" نقلت عن مسؤولين فلسطينيين، قولهم إن تلك الأموال هي ملك الشعب الفلسطيني وإنها كانت تستثمر في ودائع مختلفة تدر على السلطة الفلسطينية ما لا يقل عن 30 مليون دولار سنويا.

في الوقت نفسه اتفق تقرير "بازلر تسايتونغ" الأخير مع ماذكرته "كاش" في يونيو/ حزيران الماضي من أن المبالغ المخصصة لسهى عرفات لتغطية نفقات إقامتها في باريس تبلغ مائة ألف دولار شهريا. وأضافت "كاش" بأنه كان يتم تحويل حصة شهرية من أرباح الأموال المودعة في سويسرا تصل إلى مليون دولار إلى حسابها، وهو ما أكده تقرير نشرته مؤخرا صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" السويسرية بأن حساب السيدة عرفات شهد تحويل 9 ملايين يورو في الفترة ما بين يوليو/ تموز 2002 حتى نهاية يونيو/ حزيران 2003 محولة من سويسرا إلى بنكي BNP Paribas والبنك العربي، وهو ما لفت أنظار المصرف المركزي الفرنسي واشتبه في عملية غسيل أموال.

كما أشارت بعض التقارير الصحفية بأن آخر عملية تحويل أموال إلى حساب سهى كانت قبل عدة أسابيع بقيمة 50 مليون دولار.

مفوض الرئيس
وطبقا للوثائق التي نشرت "كاش" صور أجزاء منها، يعود تاريخ أول تحويل من البنك العربي في رام الله إلى سويسرا إلى تاريخ 2 مايو/ أيار 1997 بمبلغ 16 مليون دولار، وذلك على حساب في بنك "لومابر أودييه" الخاص في جنيف، أعقبها تحويلان، قيمة كل منهما 9 ملايين دولار، وتمت الإشارة إلى اسم صاحب الحساب بـ"الهيئة" وهو الأسلوب المتبع في مثل تلك الحالات عندما يكون العميل شخصية سياسية كبيرة، لا سيما من الدول النامية.

وتحت نفس هذا الحساب، حسب "كاش" تم تحويل مبالغ أخرى من شركتين وهميتين الأولى مؤسسة "ليد بوري غلوبال" Ledbury Global Inc. مسجلة في إحدى الجزر البريطانية، والثانية "كروبر المساهمة" Crouper SA .

وتأكيدا لمصداقية هذه الادعاءات نشرت صحيفة "كاش" رقم حساب الشركة الثانية في البنوك السويسرية وهو
"Z027200 conso II" والذي كان به ما يزيد عن 225 مليون دولار حتى تاريخ 15 نوفمبر تشرين الثاني 2002 طبقا لصورة إحدى الوثائق التي بحوزة الصحيفة.

كما أشارت الصحيفة السويسرية إلى رسالة من مكتب رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية بتوقيع محمد رشيد بتاريخ 17 مايو آيار 1997 موجهة إلى إدارة البنك الخاص في جنيف، يطالب فيها "بضمانات" ويتحدث في الرسالة بصفته "مفوضا من الرئيس".

ناقل الملايين
وفي عام 2001 تم تحويل 65 مليون دولار من حساب شركة كروبر المساهمة Crouper SA إلى بنك بريطاني لم يُذكر أسمه في الوثيقة. إلا أن المجلة أكدت أن حساب الشركة المذكورة تم تحويله بالكامل إلى هذا البنك البريطاني. واستندت في ذلك إلى خطاب بتاريخ 18 فبراير شباط 2002 يعرب فيه المشرف عن الحساب في البنك السويسري عن أسفه لمحمد رشيد عن تحويل الأموال إلى خارج سويسرا، حيث تم تحويل 108 مليون دولار من حساب شركة كروبر المساهمة Crouper SA عن طريق نيويورك إلى بنك القاهرة.

إلا أن "كاش" أشارت إلى أن الأموال لم تنفق بأي حال في الأوجه المخصصة لها وهي دعم الشعب الفلسطيني، بل كانت التحويلات تتم بأسماء أشخاص ذكرت منهم على سبيل المثال مروان البرغوثي الذي تم تحويل مبلغ قيمته ربع مليون دولار باسمه في خريف 2001 تحت مسمى "راتب".

وقد ظهر اسم محمد رشيد مجددا في تقرير لصندوق النقد الدولي، اطلعت عليه صحيفة "بازلر تسايتونغ" السويسرية، وقالت بأنه يؤكد مساهمة رشيد في نقل 897.6 مليون دولار من المناطق الفلسطينية إلى حسابات مختلفة حول العالم وذلك قبل سنوات.

بينما تقول "كاش" إن أحد خبراء المالية الإسرائيليين على قناعة بأن الأموال الفلسطينية التي يتم استثمارها في مجالات خاصة تفوق المليار دولار وأغلبها مساهمات في شركات الاتصالات والهواتف النقالة وشركات طيران ومؤسسات بنكية متوسطة الحجم، ومضاربة في حقائب الأسهم والمستندات، وهو ما تشير إليها بعض التقارير على أنها استثمارات عقارية في بريطانيا وإسبانيا، ومساهمات في شركات للهواتف النقالة في بعض الدول العربية، وأخرى في شركات طيران آسيوية.

الموقف السويسري
يضمن القانون السويسري سرية الحسابات المصرفية والبيانات الخاصة بالعملاء، طالما لا توجد أية شبهة جنائية في مشروعية نقل وتحويل الأموال المودعة، وبالتالي فلن يكون من السهل التعرف بسهولة على الشبكة المالية المعقدة لحسابات الأموال الفلسطينية في سويسرا، إلا عن طريق القضاء أو بطلب رسمي من السلطة الوطنية الفلسطينية، يحمل اتهامات محددة.

وفي تصريح خاص للجزيرة.نت قالت المتحدثة الإعلامية باسم اللجنة الفدرالية للبنوك في سويسرا تونيا كوخر أن اللجنة ليس لديها أية معلومات حول حسابات باسم الرئيس الراحل عرفات أو السلطة الوطنية الفلسطينية، لأن ذلك ليس من اختصاص عملها، وأضافت بأن عرفات سواء كشخص عادي أو كرئيس دولة، يمكنه فتح حساب مصرفي بالطرق القانونية المعروفة، وإذا كانت البنوك قد لاحظت أية عمليات مشبوهة سواء من مصدر الأموال أو عمليات التحويل إلى حسابات مشبوهة، فإنها كانت ستقوم على الفور بإبلاغ السلطات الفدرالية، وهو ما لم يحدث إلى اليوم.

سر التركيبة
ويعني هذا التصريح أن المعاملات البنكية من الحسابات التي تقول بعض المصادر إنها باسم ياسر عرفات أو السلطة الوطنية الفلسطينية سواء بشكل مباشر أو من خلال شركات، تتم بشكل قانوني، ما لم تقم إحدى الأطراف التي تشعر بالضرر بالشكوى.

كما أكدت السيدة كوخر للجزيرة.نت بأنه لم يصدر حتى اليوم أية أحكام من القضاء السويسري تتعلق بإشتباه في عمليات تحويل بشكل غير قانوني تتعلق بشخص الرئيس الراحل عرفات أو السلطة الوطنية الفلسطينية.

ومن المتوقع في حال نشوب صراع حول ارث عرفات، أن يكون اللجوء إلى القضاء السويسري هو المخرج الوحيد، حيث سيقوم بفحص الوثائق والمستندات التي يتقدم بها كل طرف يحاول إثبات حقه وهو طريق طويل ومعقد يمكن اختصاره إذا ما تكلم من يعرفون الحقائق بصدق وأمانة، فلا أحد يعرف سر التركيبة المعقدة لأموال الفلسطينيين سوى اثنين، أحدهما في ذمة الله بين يدي الرحمن، والثاني محمد رشيد.
____________________________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة